حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

مقالات و آراء

تقدير موقف : حول الإنهزام والتراجع السني والنجاح والانتصار الشيعي

2017-01-08

المقال :

 

أهل السنة هم أصل الإسلام وجذوره ، وبدايات انطلاقه ومكمن قوته الكمية والكيفية ، ولقد قرر كثير من الباحثين على اختلاف بينهم أن المذهب الشيعي كانت بدايته(١) عند بيعة السقيفة لأبي بكر رضي الله عنه ويرى المستشرقون جولد تسهير وبرنارد لويسومادلونغ وشتروثمان في موقف علي وأنصاره، كمعارضة لبيعة السقيفة تطالب بحق أهل بيت النبي(ص) في خلافته، بداية نشوء التشيّع كاتجاه سياسي لم يصل إلى حدّ التشيّع الديني القائل بالنص والوصية الذي ظهر لاحقاً، ويؤيد هذا الاتجاه من الباحثين المسلمين كل من أحمد أمين، وكامل الشيبي، وإبراهيم بيضون، إلى جانب بعض المؤرخين والعلماء الشيعة الذين يعتبرون أن بداية ظهور الاتجاه الشيعي على مسرح الأحداث السياسية كان بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لكنه كان يفتقر إلى كثرة المؤيدين آنذاك، فيما كان فيهم أفضل صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبعضهم قال : نشأ عند الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما وحول ذلك شروحات ومقامات ليس مقالها.

انفصل المذهب الشيعي عن الحضارة السنية ، وكون حضارة مستقلة احتوت على دولة الصفويين والحمدانيين والقرامطة والفاطميين ، وكانت لحضارتهم دورا صراعيا مع الحضارة السنية التي لاقت ضربات وصراعات من حضارات شتى ، فمع انكسارات الحضارة السنية وإخفاقاتها نجت الحضارة الشيعية من هذه الإخفاقات فدخلت في علاقة عكسية مع الحضارة السنية حيث أنه ضعف سني= قوة شيعية  بل، بلغ الأمر أن استفادت الحضارة الشيعية من ضعف وسقوط الخلافة العثمانية الذي أحدث تراجعا وتقهقرا بلغ إلى حد استضعاف السنة من كل الديانات والأعراق ، وتقسيم ميراث الخلافة بين الدول والأعراق والطوائف ، وعقدت اتفاقيات التقسيم مثل معاهدة سيفر ولوزان وسايكس بيكو ووعد بلفور المشئوم .

الخلافة العثمانية كانت تمثل سلطة مركزية سياسية

بعيدة عن الحكم الفيدرالي حيث كان يعين الخليفة أمير الأمصار ،وكان الأمراء بمثابة مدراء إداريين يحكموا وفق ما يمليه الباب العالي، ويعرف الحكم المركزي : بأنه تجميع السلطة بيد الحاكم أو المؤسسة الحاكمة مثل الاتفاقات الدولية وقرارات الحروب والموازنة العامة ،مع منح بعض الاختصاصات للوزراء أو المؤسسات التابعة ، وكان هذا وقتها أعلى تطور سياسي في نظم الحكم السائدة وقتها كما نعرف الفيدرالية أنها (٢): هي اتحاد اختياري بين ولايات أو دول أو أقاليم، تختلف قومياً أو عرقياً أو ديانة أو لغة أو ثقافة، حتى تتحول إلى شخصية قانونية واحدة أو نظام سياسي واحد، مع احتفاظ أجزاء هذه الشخصية المتحدة بخصوصيتها وهويتها، ويوجد تفويض للكيان المركزي للاتحاد بالبعض من الصلاحيات المشتركة، مع الاحتفاظ ببعض الصلاحيات لهذه الأقاليم أو الولايات. بما يعني توافر الاستقلال الذاتي للولايات أو الأقاليم المكونة للاتحاد، ولهذا أهم ما تتميز به الدول الفيدرالية أو الاتحادات الفيدرالية هو الاستقلال الذاتي لكل ولاية أو دولة مشتركة في الاتحاد.

كما أن الخلافة السنية لا تمنع من قيام خلافة في صورة اتحاد كونفدرالي بخلاف الخلافة الشيعية أو ولاية الفقيه التي لن تقترب يوما لأي صورة من صور اللامركزية لأن ذلك يتعارض مع كهنوتية المذهب ، تعريف الكونفدرالية (3):

تعني الكونفدرالية أنها اتحاد يجمع دولتين أو أكثر ضمن اتفاقية معينة، أو اتفاق تعاقدي يقضي بإنشاء هيئة أو كتلة سياسية اقتصادية مشتركة تجمعها خصوصيات سياسية أو اقتصادية أو دينية مع الاحتفاظ بخصوصية كل دولة بسياساتها الخاصة. ويتكون الاتحاد الكونفدرالي من رابطة تكون أعضاؤها دولاً مستقلة ذات سيادة، والتي تفوض بموجب اتفاق مسبق بعض الصلاحيات لهيئة أو هيئات مشتركة لتنسيق سياساتها في عدد من المجالات وذلك دون أن يشكل هذا التجمع دولة أو كياناً وإلا أصبح شكلاً آخر يسمى بالفيدرالية.

ونريد أن نوضح أن السلطة المركزية حفظت أهل السنة من التفرق والتشرذم وقيام زعامات متعددة ينبني عليها اختلاف الكلمة وضعف الصف مما يجعلها تربة خصبة لمؤمرات الأعداء ، فمثلت الخلافة سلطة مركزية سياسية وليست دينية كهنوتية بخلاف ولاية الفقيه التي أنشأها الخميني ومثلها الآن علي خامنئي نائبا عن المهدي القابع في السرداب وعليه : “مفهوم الشرعية أو المشروعية التي تستخدم بشكل أغلب في النصوص الشيعية السياسية ؛سيؤدي دورا جوهريا بوصفه معيارا في بناء معنى السلطة، إلا أن مفهوم السلطة في التراث الشيعي لا يمكن أن يكون متعلقا بالسياسي فقط، فالسلطة في التلاقي الديني والسياسي تمتد من رتبة التدبير السياسي حتى رتبة التوجيه والامتلاك الروحي (رتبة: أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، يقول فياض: “السلطة في المجال الإسلامي الشيعي هي ولاية.. تكون الدولة فيه غاية من غايات السلطة، إلا أنها لا تنحصر بها، فقد يكتب لها الأسبقية عليها دون أن يكون للدولة تحقق فعلي، وقد تنفصل عنها فتجاوزها، وقد تقترن بها فتكون إحدى تعبيراتها(٤)انتهى ، حدث بلا شك نضوج سياسي وتركم خبراتي عند الشيعة تفوق على الإمكانات السنية السياسية ونقصد هنا الممثلين للمشروع السني والأيدلوجية السياسية .

نستنتج مما سبق : أن مركزية السلطة في النظام السني مركزية سياسية ، أما مركزية السلطة عند الشيعة فهي مركزية دينية كهنوتية .

أما ما آل إليه حال أهل السنة بعد ضياع الخلافة فهو تشرذم وتفرق فلا سياسة مركزية تجمعهم وينصاعوا لها ، وليس عندهم سلطة دينية مركزية يكتب لها الأسبقية دون أن يكون لهم دولة حقيقية ، كما أن الأنظمة السياسية الحاكمة للدول التي تمثل السنة لا تعبر عن توجهات الإسلام السني بل تمثل هذه الأنظمة عند أصحاب الأيدلوجية الإسلامية حكام بالوكالة والتبعية للأنظمة الغربية التي سعت جاهدة للقضاء على الخلافة الإسلامية وانهزام الإسلام السني ، كما أن هذه الأنظمة بعيدا عن تحقيق الأيدلوجيات فرقتها التبعية والهيمنة الغربية ،كما أن استبدادها نصبها معوقا أمام تقدم الشعوب السنية ولحاقها بالتقدم الحضاري .

نشأت حركات إسلامية تنشد إرجاع الماضي والحضارة الإسلامية السنية التي عَبَرَت ردحا من الزمن سجلت أمجادا تاريخية علمت العالم بشهادة رحالة وكتاب غربيين ، ولكن أصاب هذه الحركات ما أصاب دولهم ومجتمعاتهم من فرقة وتشرذم ، فالكل فصيل آلياته وآراءه وقياداته بل، تعدى الأمر أن طالهم الخلا والاقتتال والتكفير والتبديع والتفسيق وضاعت معهم حلم رجوع الحضارة السنية وتوالت الانهزامات في فلسطين وحلب وسقوط الربيع العربي الذي كان بداية رجوع الحضارة السنية بأيدلوجيتها الإسلامية .

نلخص سبب التراجع والسقوط السني في :

  • ياع المركزية:

فالمركزية علاج قوي في حالات الاستضعاف ، كما أنها نظام حكم سياسي ، ونظام إداري تنظيمي عند اختلاف الأعراق والقيادات والآليات حيث تعمل على وقف التفرقة وتعمل على الاعتصام بسلطة ترسم الأهداف وتحدد الطريق والأدوات.

  • ضياع قدسية الأهداف السنية السياسية :

غابت القدسية حول كثير من الأهداف السنية مثل تحرير القدس ، ورجوع الماضي السني التليد بل ، والحضارة الغائبة ، تم تشويه بعضها لدي المثقفين والعوام مثل تشويه الخلافة ….. ، في حين أن هذه الأهداف نالت حظا وافرا من القدسية لدى عوام الشيعة ، ونخبهم الإسلاميين منهم والمدنيين.

  • وقوف المسلمين من أرباب التوجهات الأيدلوجية المدنية أمام رجوع الحضارة الإسلامية السنية

تم صناعة نماذج ليبيرالية وعلمانية لا تقبل بالتشاركية السياسية مع مشروع الإسلام السني بل، تعده خطرا يهدد الحياة الديمقراطية ،رغم إعلان أصحاب المرجعيات الإسلامية عن تبني الديمقراطية ، والمحافظة على الحريات وهنا أنشئت حالة من الانقسام المجتمعي والنخبوي .

ما هو الحل لإيقاف السقوط السني :

مع هذا الواقع الذي تحياه الأمة يكون الحل في اتجاهين إذا نجح الأول توقف الثاني :

الاتجاه الأول : قيام دولة سنية تتبني المشروع السني الحضاري ، وبسط السلطة الأيدلوجية على أصحاب نفس التوجه خارج الدولة ، ودعمهم بكل وسائل الدعم واستخدام الوسائل الدعوية والسياسية لإنبات بؤر نفوذ لهاداخل بعض الدول ، وعمل تحالفات دولية تخدم المشروع السني، كما أن هذه الدولة السنية من واجباتها الأساسية جمع كلمة الحركات الإسلامية الوسطية على مستوى العالم والتواصل معها وبسط هيمنتها عليها بحكم الانتماء الفكري والأيدلوجي .

وما تفعله إيران اليوم من تواصلها وبسط هيمنتها على الشيعة في كل دولة لهو أمر واضح بل ، وصل لدرجة دعم أقلياتها في بعض البلدان ومدهم بالسلاح ومساعدتهم للوصول للحكم ، والفارق الذي أحدثه تبني الدولة الإيرانية للمشروع الشيعي ، قد تجلت نتائجه التي لمسها أوباما وصرح بها عند رده على سؤال(٥) عن «مَن يراه أكثر خطرا التطرف السنّي أم الشيعي؟»، مادحا إيران بأن تصرفها أكثر استراتيجية لا عاطفية، ولها نظرة عالمية، وتقدر مصالحها؛ تحسب الربح والخسارة! ……. أقول : لأن الشيعةلهم دولة تعبر عن أيدلوجيتهم ومصالحهم .

الدولة السنية المنوط بها تمثيل السلطة المركزيةوالأيدلوجية يجب أن تشارك لرفع الظلم عن الأقليات المسلمة ومساعدتهم سياسيا وعسكريا وما يحدث في بورما وغيرها يفتقد لمثل هذه الدولة الراعية للإسلام السني ، والدولة الوحيدة التي تكون مؤهلة حاليا لمثل هذا الدور هي المملكة السعودية ، وما حدث معها من تحالف مع الحركة الاسلامية باليمن (الإخوان المسلمين ) كان بمثابة تجربة ناجحة للتعامل على هذا المستوى كما انه يعتبر عاملا قويا للنصر ووقف التوغل الشيعي الإيراني .

عند افتقاد هذا الاتجاه الأول وهو الأساس وو الأقوى نلجأ للاتجاه الثاني .

الاتجاه الثاني :

نتعامل مع قضيتنا وفق معطيات الواقع فالأصل في السلطة المركزية أن تكون على مستوى الأنظمة السياسية الحاكمة ، ولكن مع افتقادنا لدول راعية للإسلام السني نتوجه لصناعة سلطة مركزية فكرية أيدلوجية توافقية فهي ليست نظاما سياسيا وليست ولاية فقيه فلا تمثل سلطة مركزية دينية كهنوتية .

هذه السلطة المركزية تكون ممثلة لكل الحركات والتيارات الإسلامية الوسطية على مستوى العالم بحيث تكون مركزية في قرارات سيادية يحددها أفراد السلطة بموجب إجراء شوري ديمقراطي ، كما أنها تكون فيدرالية في إدارة كل حركة لنفسها وعملها داخل قطرها ، وهذا لا يتعارض مع مركزيتها .

 كتاب هوية التشيع الدكتور الشيخ أحمد الوائلي ص٢٣

(2،3) جريدة الشرق سياسية متخصصة، بحث بعنوان : الفيدرالية والكونفدرالية تاريخ (٢٢/١٢/٢٠١١)

(4) كتاب نظريات السلطة في الفكر السياسي الشيعي ، ص ١٠ د.علي فياض

(5) موقع العربية نقلا عن مجلة أتلانتك كتب عبدالرحمن الراشد بعنوان : أوباما ورأيه في السنة والشيعة

روابط متعلقة

اضف تعليق