حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

ساحة الأدب

ابنتي حرة - أبو بكر عثمان

0000-00-00

دق الهاتف، وكان صوت امرأة عمي على الجانب الآخر، كان صوتها حزيناً مخنوقاً، قالت: إن عمك في خطر دخل إحدى مستشفيات لندن مساء أمس، على الرغم مما بيننا من خلاف، ومع أنه طردني من بيته وطلب مني ألاّ أعود لزيارته، لكن نداء الرحم والمروءة يوجبان عليّ أن أُلبّيَ وأذهب إليه. التحق عمي في مطلع شبابه بإحدى الخلايا اليسارية، ذلك في مطلع الستينيات من القرن الماضي، لكن الأفكار الشيوعية لم تؤثر جذرياً في اعتقاده العام، بل كان يساريَّ الثقافة والمزاج، هاجر إلى بريطانيا بعد حصوله على الماجستير، وحصل على الدكتوراه، وعمل بإحدى الجامعات، أما أنا فموجود هنا بلندن في بعثة تعليمية، وعند وصولي إلى لندن كنت في شوق كبير لرؤية عمي، الذي سمعت عنه ولم أره منذ طفولتي، كنت معجباً بما سمعت عنه من سعة ثقافته وتنوُّعِها، ولكن من المؤسف أنني عندما التقيت به وخضت معه كثيرًا من الحوارات كدت أضحك من جهله الفاضح بكل ما هو إسلامي، لكنني لا أضحك منه بالطبع لمكانته، نعم لم يكن مستواه في العلوم الشرعية الإسلامية يقارب مستوى تلميذ في المرحلة الإعدادية، كانت كل معارفه عن الإسلام شبهات وأباطيل شربها من كتب المستشرقين، ومع ذلك الجهد المركب يريد دوماً أن ينصب نفسه مفتياً في كل شاردة وواردة بعقله وهواه، ضارباً بكل نص شرعي وقاعدة شرعية عرض الحائط، كان يعيش عبد نفسه كما تحب وتشتهي، دون مراعاة لعرف أو قيم أو دين، فقط ما يمليه عليه عقله وهواه.
وكانت امرأة عمي الدكتورة هدى قد مضت على الطريق الآخر، فقد بدأت في آخر أمرها العودة إلى جذورها الإسلامية، وحدث بينها وبين عمي تباعد كبير، وكاد يحدث الطلاق، لكن حبها لعمي ووفاءها له حال دون ذلك، كما أنها كانت ترى أن جذوة الإسلام والتقاليد الشرقية ما زالت مشتعلة في أعماق عمي، لكنه يكابر ويصعب عليه أن يخطئ رحلة عمر طويلة قطعها في مبادئ وأفكار متهافتة، وكانت امرأة عمي تمنّي نفسها بأن عمي سيعود حتماً إلى جذوره.
وأما ابنة عمي فكانت بنت أبيها بحق، تسير سيره وتنسج على منواله، وترك لها عمي الحبل على الغارب، بدعوى الحرية، فحطمت وداست في طريقها كل الخطوط الحمراء والخضراء والصفراء، وساعدها على ذلك مناخ أوروبا الآسن، فأمست حرة من كل قيد، رأيتها أول مرة في بيت عمي في ثاني زيارة لي حسبتها لأول وهلة فتاة إنجليزية؛ للباسها الذي لا يكاد يستر شيئاً، ولغتها الإنجليزية اللندنية، وكان يجلس بجانبها تماماً صديقها جورج، ولما عرفتُ بعد برهة أنها ابنة عمي سوسن التي كنت ألعب معها في طفولتي، اقشعرّ جلدي وارتجف بدني غِيرة وغضباً، ولما نظرت إلى عمي، وعرف ذلك في وجهي قال لي: يا دكتور أنت الآن في أوروبا وفي القرن الحادي والعشرين، عليك أن تتحرر من وساوسك الرجعية، ألجمني الغضب وأغلق عليّ،

فلم أقوَ على الكلام، لم أحسب يوماً أن واحداً من عائلتنا ذات الجذور العربية، يصل إلى هذا الدرك، فغادرت بيت عمي على الفور، ولم أطق ذلك.

وعرفت بعد ذلك أن عمي يطلق لابنته العنان كل العنان بدعوى الحرية، تذهب في الرحلات المختلطة في أنحاء أوروبا وتغيب لأيام طويلة، وتختلط بالشباب وتسهر معهم لساعات من الليل، وقد ترجع في اليوم التالي، لا تثريب عليها في كل ذلك، ولما جادلت عمي في كل ذلك، أرغى وأزبد وقال: إن ابنتي حرة... تفعل ما تشاء،،، وأنا ربيتها تربية عصرية سليمة، هي الآن عاقلة رشيدة، تستطيع أن تحكم على الأمور، وأنا واثق تماماً أنها لن تخطئ الطريق. ومما أغضبني، وكانت القشة التي قصمت ظهري، أن عمي قال: إنه لن يعود بابنته إلى عصر الحريم المتخلف، الذي يعيشه البعض في بلادنا الإسلامية، فوصفْتُه بالدِّيَاثة دون وعي مني، فطردني من بيته، وكان هذا فراق بيني وبينه، وها هو نداء الرحم يردني إليه بعد سنة من الفراق، ركبت مترو أنفاق لندن، ووصلت إلى المستشفى، وقابلت امرأة عمي، وبدت شاحبة الوجه، كسيرة العين، قالت: إن ابنة عمك ذهبت في رحلة مع أصدقائها عبر أوروبا وغابت لشهور طويلة، وفقدنا الاتصال بها، وبات عمك يكتم قلقه البالغ عليها، وإذا شكوتُ له قلقي كان يصرخ في وجهي: هي ليست بطفلة صغيرة. كان ينهرني عن القلق، والقلق يكاد يقتله، لكنه يكابر كعادته.
وصباح أمس، كانت الكلمة المشؤومة...اتصلت ابنة عمك بأبيها هاتفياً، قالت له: (يا بابا، مبروك) أصبحتَ جداً، قد أنجبتُ من صديقي (شيمون) ابننا (ديفيد)، ترك السماعة تسقط من يده، ثم نظر إليّ، فرأيت في عينيه صرخة مريرة، هي عينُها، المكظومةُ في صدري، لم يحتمل بركان النار المضطرب في صدره، سقط بعد ساعات وأُدخل العناية المركزة.
بعد إلحاح سمح لي الطبيب برؤيته لدقائق معدودة، جلست بجوار سريره، ألقيت عليه السلام، فتح عينيه بصعوبة، ورفع يده نحوي، فوضعت يدي في يده، فضغط عليها برفق، وجعلت أقرأ له سورًا من القرآن الكريم، فأومأ إليّ برأسه، ولما انتهى موعد الزيارة، وهممت بالقيام، أشار إلى المصحف، فأعطيته له، فحمله بمشقّة، ووضعه على قلبه، ورأيت دمعة تسقط على خده، قبّلته ومضيت، وكان هذا آخر عهدي به، فقد مات في تلك الليلة والمصحف موضوع على قلبه، وجعلت بعد ذلك أدعو له كلما ذكرته بالمغفرة والرحمة، أما ابنة عمي فقد ضاعت، فقد تربّت على أنها حرة، تفعل ما تشاء، ولم تعرف يوماً أنها أمةٌ لله رب العالمين.

اضف تعليق