حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

ساحة الأدب

الهروب إلى الضياع! - أبو بكر عثمان

0000-00-00

الهروب إلى الضياع..!

لملم الأخصائي النفسي حقيبته وكاد يغادر عيادته لولا اندفاع شاب إلى غرفة الطبيب، على الرغم من اعتراض وصيحات المرضى، بدا على الشاب الثراء الشديد من ثيابه الفاخرة، لكن مشيته وقسمات وجهه يدلان على الهزال والضعف؛ فقد برزت عظام وجهه، وأحاطت بعينيه هالات سوداء، وبرز أنف محمر ووجه يجفف ما يسيل منه بمنديل ورقي حمله بيد مرتعشة. أشفق الطبيب عليه، فأشار عليه أن يسترخي على سرير العيادة، وجلس إلى جواره على الكرسي، تكلم الشاب بصوت واهن!

الشاب: هل يمكنك أن تساعدني؟

الطبيب: نعم بإذن الله، اطمئن لا تقلق، سأكون في عونك، تكلم إن شئت؛ فأنا أسمع لك. أغمض الشاب عينيه، وانقلب على جنبه الأيمن، وأعطى ظهره للطبيب، واعترى المكان الصمت لوقت ليس بالقصير، لم يشأ الطبيب أن يدفعه للحديث، لكنه تكلم بصوت واهن كسير.

اسمي (ك.ر.ب) من أسرة غنية شهيرة، نشأت طفلاً بائساً ضائعاً، فلم أتم خمس سنوات حتى تهدم بيتنا بطلاق أمي، تمزّقت أسرتي، تزوج أبي، وتزوجت أمي، وأرسلت إلى جدتي، فأمسيت يتيماً بحكم الحال على الرغم من حياة والدي، أما عن جدتي فقد بلغت من الكبر عتياً، تحتاج إلى من يرعى شؤونها، فكيف يوكل إليها هموم طفل صغير كل أسبوع؟! كانت لي زيارة خاطفة إلى أمي أو أبي دقائق معدودة، أُعطى النقود والهدايا، ثم أُرسل مع الخادم مرة أخرى إلى جدتي.

كنت أبكي كثيراً، أصرخ أريد أن أبيت معك يا أمي.. أريد أن أمكث معك قليلاً يا أبي.. ولا مجيب!!

بكيت كثيراً ومع مرور السنين جفت دموع عيني، ولم يعد بها دموع، وتحجّرت مشاعري، وأنا طفل صغير لدى جدتي. كنت كثيراً ما أشعر بالظمأ، فأشرب وأشرب، ومهما شربت من الماء لا أشعر بالري، فيمتلئ بطني بالماء، فيغلبني القيء. كنت آكل وآكل فلا أشبع مهما أكلت. لم أكن أعلم لماذا لا يرويني الماء، ولا يشبعني الطعام، لكني الآن أعرف فلم يكن ظمئي إلى الماء، ولا جوعي إلى الطعام، بل كان إلى أبي وأمي؛ فقد كنت محروماً منهما.

والآن أجد في نفسي هاجساً يؤرقني، هل أنا حقاً أحب والدي أم ....؟ لا أستطيع أن أجيب على الرغم من أنهما حلمي منذ الطفولة. أتعرف بماذا أحلم ومنذ ثلاثين عاماً في نومي؟ أحلم بسرير كبير جداً ينام فيه أبي وأمي، وأنا بينهما وعلينا غطاء كبير وثقيل من الصوف لنشعر بالدفء الجميل، على الرغم من برودة الطقس، أما الآن فإني أشتهي أن أنام في حضن أمي، وأجلس على حجر أبي.

أتعجب إن قلت لك -على الرغم من هذه السنوات- أتوق إلى ذلك؟ ليت أبي حي اليوم لألجأ إليه كي يساعدني. حياتي كانت كلها هروباً سلبياً، كنت أهرب دائماً علّني أجد عوضاً أو سلوى لفقدان أبوي. كنت أهرب من جدتي لألعب على السطح، وأهرب من المدرسة إلى الشارع، وأهرب من أداء الواجب المدرسي إلى النوم، وأخفقت في المدرسة، وتركت التعليم، ولم أجد من يحتويني بالحنان والرحمة تارة، ويأخذ بيدي ويضرب عليها تارة أخرى، فالتحقت بأصدقاء السوء لأهرب معهم الهروب البشع في عالم الإدمان؛ فقد حاول أبواي تعويضي الحنان والرعاية المسلوبة بإغداق المزيد والمزيد من الأموال وبلا حساب، مما دفعني أكثر وأكثر في غياهب الإدمان. لم يسألاني أين ذهبت هذه الأموال الطائلة.

بأموال أبي وأمي كنت أدور في تلكم الدائرة الخبيثة،لا أستطيع منها فكاكاً ولا أريد. وبالأمس التقيت بصديق الطفولة الذي كنت أهرب من البيت لألعب معه، فأخذني معه إلى المسجد، فاستحييت أن أقول له إنني لا أصلي. نعم أنا لا أصلي؛ إذ لم يأمرني أحد أبوي بالصلاة، ولا حثني عليها، حتى جدتي لم ترّغبني في دخول المسجد، لكني دخلته مع صديقي، وجلست واستمعت إلى القرآن، فدخل قلبي وعقلي وعصبي وكل كياني، دخل إلى كل ذرة هزها وربت عليها. أحسست بالرحمة والنور يغمران قلبي، وبكيت وبكيت، وانشرح صدري واتسع كأنه يطير في الأفق... فرحت وسعدت وحدثتني نفسي، ليتني عرفته من زمن بعيد حتى أفر إليه وأحتمي به.

والآن حان وقت جرعة المخدر الخبيث وجسدي به آلام لا تُطاق.

جئت إليك مستعيناً بالله، أرجوك ساعدني! لا أريد أن أعود إلى الهروب ثانية مع أصدقاء السوء؛ لأني وجدت نفسي الضائعة... نفسي التي كنت أبحث عنها... وجدتها لأول مرة... في المسجد...هل يمكنك أن تساعدني كي لا أعود إلى الهروب؟


اضف تعليق