حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

ساحة الأدب

ضحك كالبكاء!! - أبو بكر عثمان

0000-00-00

ضحك كالبكاء..!!

دق جرس الباب.. نادى ابنه فيصل فلم يجب.. يبدو أنه نائم.. اضطر أن يفتح الباب بنفسه.. فوجئ بشرطة لندن بالباب.. تقدم أحدهم ووضع القيود بيديه، ومن صعقة المفاجأة وأخذتها لم يسألهم: لماذا يقبضون عليه؟!
ساقوه بشيء من الغلظة إلى عربة الشرطة، وانطلقت به السيارة في شوارع لندن، تذكّر أنه قدم إلى بريطانيا منذ سنتين لنيل الدكتوراه.. قال لأبيه إنه لا يودّ أن يغترب عن بلده.. تاركًا زوجته وابنه فيصل على أعتاب المراهقة؛ فكيف يتركه في هذه السن الحرجة والابن أحوج ما يكون إلى أبيه في تلك المرحلة؟! بيد أنه لا يحب أن يخالف لأبيه نصحًا، ولو كان شاقًا على نفسه.. نصحه أبوه أن يحسّن من وضعه الوظيفي ومركزه الأدبي في العمل بالحصول على درجة الدكتوراه، فسافر حبًا وطاعة لأبيه..
أول ما بحث عنه في لندن المسجد والصحبة الصالحة.. حصنًا منيعًا يحتمي به من التيه في دهاليز المادية الغربية، شعر بمعاناة زوجته من رسائلها ومكالماتها الهاتفية المتتابعة، فهو لم يلقها منذ عام مضى..
أرسل إلى زوجته أن تأتي إليه ومعها ابنه فيصل لتقضي معه شهرين ليعوضا بعض هذه المعاناة.. ولم يمض على حضورهم سوى أسبوعين.. وها هو مكبل اليدين في سيارة شرطة لا يدري بأي ذنب أُخذ..!!
منذ قدومه إلى لندن لم يكن له أي نشاط مريب.. بل ولا غير مريب، كان يدور في مربع لا يخرج عن أضلاعه الأربع.. البيت.. المسجد.. الأصحاب والجامعة .. وأصحابه مثله تمامًا...
إذن ربما يكون في الأمر سوء فهم من شرطة لندن.. وما أكثره اليوم مع المسلمين في أوروبا!! خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ فالمسلم مدان إلى يثبت أنه بريء...
توقفت السيارة أمام مبنى شرطة الحي، ثم أنزلوه إلى المبنى ووضعوه في قفص حديدي.. وبعد حين اقتادوه إلى غرفة التحقيق، ورأى ابنه فيصل جالسًا أمام المحقق حينئذ تفجر غضبه.. وصاح في المحقق: وابني أيضًا مقبوض عليه؟
قال له المحقق: كلا بل مجني عليه!!
قال: إن كان ابني مجنياً عليه، فلِمَ أُساق هكذا إلى هنا؟
المحقق: لأنك الجاني؛ فأنت متهم بانتهاك حقوق ابنك الطفل وإساءة معاملته واستخدام العنف معه..!!
تذكر ما حدث بالأمس.. كان عائدًا من الجامعة.. رأى ابنه فيصل بصحبة ثلة من فتية وفتيات الحي.. مع أنه نصحه أكثر غير مرة ألاّ يقترب من هؤلاء .. فلا أخلاقنا ولا قيمنا تتلاقى مع أخلاقهم وقيمهم.. هم يفعلون ما تهوى أنفسهم دون قيد أخلاقي يمنع أو وازع ديني يروّع.. لكن فيصل اليوم يعود لما نهاه عنه بالأمس.. مما هيّج غضب أبيه ورفع صوته معنفًا وموبخًا.. ثم جذبه من يده وصعد به إلى البيت.. هو لا يريد ابنه قالبًا أوروبيًا، وما أكثرهم اليوم في بلادنا!! بل يريده مسلمًا عربيًا.. كيف لا يحق له أن يمنع ابنه ويحميه من السقوط؟!
غادر مكتب المحقق مع ابنه بعد أن أنذره المحقق بألاّ ينتهك حقوق ابنه، ولا يسيء معاملته.. وإلاّ سيُنزع منه، ويُسلّم لأسرة أخرى تقوم على رعايته.. ضحك الأب مما قاله المحقق.. لكنه ضحك كالبكاء.. ضحك مما قال عن وجوب مراعاة القيم الأوروبية وحقوق الإنسان.. وكيف لا يضحك وساسة ومفكرو الغرب يسحقون القيم وحقوق الإنسان بأحذيتهم إذا عارضت مصالحهم.. فحقوق الإنسان صنم من عجوة يأكلونه عند الحاجة.. فأين هم مما حدث ويحدث في فلسطين والعراق؟! وأين هم مما تعانيه الجاليات المسلمة بأمريكا وأوروبا من تفرقة عنصرية؟! كان يوشك أن يقول للمحقق كل ذلك.. لكنه آثر السلامة..
نظر في وجه ابنه فرأى في عينيه الخجل والانكسار لما تعرّض له أبوه من إذلال وإهانة بسببه.. إنهم هنا يحطّمون سلطة الأب وهيبته، ويجعلونه بلا حول ولا قوة.
مضيا إلى البيت في صمت قطعه صوت فيصل:
متى يا أبتي نرجع إلى بلدنا.. إني أريد أن أعود..
لكن أباه سكت ولم يجب..!!

اضف تعليق