حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

ساحة الأدب

جدار الصمت - أبو بكر عثمان

0000-00-00

جدار الصمت..‍‍‍

وقفا ينتظران القطار في صمت .. مقيدي اللسان ... الكلام ثقيل كالمستحيل ... أو قل كأنهما أصمان ، يحمل كل منهما في صدره بركاناً عظيماً بالعواطف والأحاسيس .. كل منهما يشتهي أن يتكلم ليبوح للأخر يقول له ويقول ويقول ..
ينفث هذا البركان المكظوم ولكن هيهات هيهات .... فبينهما جدار لا يقويان على اختراقه ..
الأب هو من حفر أساس هذا الجدار وشيده شيئاً فشيئاً مع الأيام .... ولما كبر الابن نسج على نهج أبيه ...
في عرف الأب عيب أن يلاطف ابنه الصغير ... ولما بلغ أشده لم يصاحبه بل ظل الأب الآمر في صرامة الناهي في عبوس المعاقب في غلظة .. وكبر الأب وهرم وكان أحوج ما يكون إلى الرحمة والعطف ... والابن عاجز أن يهب أباه شيئاً من ذلك ...
فأبوه لم يعلمه كيف يحنو .. وكيف يرحم ... ولما حاول الابن يوماً أن يغالب طبعه ليمنح أبه شيئا من الحنان والرحمة .. صده الأب في غزة نفس متغطرسة كاذبة .. أبى أن يكون في زعمه محلاً للشفقة ...
كانت أمنياتهما الخفية تتوق إلى هدم الجدار بينهما .... ليتمتعا بعلاقة الأبوة والبنوة السوية .. لكن واقع الحال أنهما يزيدان ذاك الجدار قوة وصلابة وعلوا يوما بعد يوم ....
واليوم عزم الأب على أن يغادر .. يذهب بعيداً .. معاقباً نفسه وابنه بالبعد والفراق .. يفعل ذلك بكل صلف وعناد والابن يقف واجماً جامداً في بلادة لا يقوى على شيء ولا يستطيع .
وقفا على المحطة أمام بعضهما البعض كأنهما تمثالان من ثلج .. وها هو القطار قد جاء .. لاح من بعيد .. وطفقت طبول القلق ترتفع وترتفع ثم تدوي مع توقف القطار .. لكن بقى محاصرًا في حنايا النفس لا صدى له ولا أثر ...
جلس الأب على مقعده بالقطار ووقف الابن بالخارج أمام الشباك وكل منهما ينظر إلى الآخر صامتاً .... ينتظران شيئاً خارقاً يلوي مسار الأحداث ....
كم كان بود الأب لو يحتضن ابنه لأول مرة .... ويقبله لأول مرة في حياته .. تمنى أن يبوح له بأنه يحبه حقاً .. وأنه أحوج ما يكون اليوم إلى حبه وعطفه .. وألا يدعه يسافر .. بيد أنه لم يقو على ذلك ، بل لم يستطع وكان الموت أهون عليه من أن ينطق حرفاً من ذلك ...
تحرك القطار .. تسارعت خطواته وأخرج الأب رأسه من القطار ... ورفع كل منهما يده يلوح للآخر .. وظل الابن ينظر إلى أبيه محركًا ذراعه حتى أمسى القطار نقطة صغيرة ابتلعها ظلام الأفق ...
غادر المحطة يمشي في خطوات بائسة ... كأنه عائد من جنازة أبيه ... كم كان يود لو قال له : لا ترحل يا أبي ... يا أبي لا ترحل ... فقير أنا إلى معيتك ... لا غنى لي عن أبوتك ... ثم يبوح له عن مكنونات نفسه نحوه .. التي لم تزل بكراً لم يكشف سترها قط ... لكنه لم يقو ولم يستطع .. بل مضى في الزحام لا يلوي على شيء حتى اختفى وتاه ...

اضف تعليق