حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

دراسات وأبحاث

الرد على من ادعى ردة أهل مصر عن التوحيد

0000-00-00

الرد على من ادعى ردة أهل مصر عن التوحيد

دراسة منشورة على الموقع الرسمي للحزب بهدف توعية الشباب بخطورة الفكر التكفيري

"ضمن حملة لا للتكفير لا للتفجير"


الرد على من ادعى ردة أهل مصر عن التوحيد ..

 المقدمة

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([1]).

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚوَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)([2]).

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾([3]).

وبعـد..

مع ازدياد وتيرة الأزمة الراهنة في مصر ، بدأت تفشو في الأوساط الشبابية خاصة دعوات لتكفير القائمين على هذه الإجراءات, ثم امتد الأمر إلى ما هو أبعد وأخطر من ذلك حيث ذهب بعض الغلاة إلى أن الردة طالت جميع أهل مصر ولم يبق فيها سوى مرتد أو ذمي ناقض العهد أو ملحد.

ولما كانت هذه الدعوات التكفيرية غاية في الخطأ والخطورة كان لابد من التصدي لها, وبيان وجه الحق فيها وفقًا لاعتقاد أهل السنة والجماعة.

وهذه الرسالة المختصرة تتناول الرد المختصر على من ادعى ردة أهل مصر عن الاسلام لوقوعهم في المعاصي, أو الشرك, أو الموالاة المكفرة, ومن ثم فلا ينفعهم قولهم: "لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله" لأنهم لم يقولوها بشروطها السبعة من: صدق, ومحبة, وإخلاص, وعلم, ويقين, وانقياد, وقبول, مكتفيًا بذكر دليل شرعي واحد أو أكثر يدحض تلك الدعوى بشكل عام, على أن نتبع ذلك بدراسات تفصيلية لدحض كل دعاوي التكفير الخاطئة التي تمور بها الساحة اليوم لخطورة تلك الدعاوى؛ لترسيخ عقيدة أهل السنة والجماعة بشأن عدم جواز تكفير العصاة حتى ولو لم يتوبوا, وأنهم في الدنيا لا يكفرون بمعاصيهم غير الكفرية, وفي الأخرة تحت مشيئة الرحمن إن شاء عذبهم أو عفا عنهم, ولكن سيكون مآلهم في الجنة على كل حال، تلك العقيدة التي تقرر عدم جواز تكفير الشخص المعين الذي يأتي بفعل أو قول كفري إلا بعد استيفاء شروط, وانتفاء موانع, وذلك وفقًا لما قرره علماء السلف الصالح، يقول شيخ الاسلام ابن أبي العز: (ثم إن القول قد يكون كفرًا لكن القائل لا يكفر إلا بعد ثبوت شروط وانتفاء موانع)([4])ا.هـ, ومن تلك الشروط توافر العقل والعلم والقصد, ومن موانع التكفير الجهل والجنون والخطأ والتأويل والإكراه على تفصيل في كل منها يعرفه أهل العلم, وقبل أن نذكر الرد على هذه الفرية نُذَكِر بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قذف مسلمًا بكفر فهو كقاتله"([5]).

فليحذر كل أحد من رمي المسلمين بالكفر بغير وجه حق, وليرد الأمر إلى أهل العلم الثقات, وليتذكر قول الامام الغزالي: (والوصية أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله غير مناقضين لها... فإن التكفير فيه خطر والسكوت لاخطر فيه).

وأسأل الله الكريم أن ينفع بتلك الرسالة, ويلهمنا وشباب أمتنا سبل الرشاد والسداد.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

 

 

 

 

 

 


[1]-  آل عمران: 102.

[2]-  النساء: 1.

[3]- الأحزاب:70- 71.

[4]- شرح العقيدة الطحاوية للإمام ابن أبي العز ص309 ط المكتب الإسلامي

[5]- رواه الترمذي

 

 

لا شك في خطأ وخطورة تعميم الحكم بالردة على الشعوب الإسلامية عامة ومصر خاصة ، ولا شك في أن هذا التوصيف الجائر يفتقر إلى دليل صحيح من الواقع أو من الشرع, وبيان ذلك بشكل مختصر كالآتي:

أولًا: إن القول بوقوع المسلمين جميعًا في مصر وغيرها في ردة جماعية قول ليس عليه دليل, ويكذبه الواقع, حيث نرى أكثر المسلمين يقومون بأداء واجباتهم الشرعية, ولا يتلبسون بأي من المكفرات المخرجة من الملة عن عمد أو علم أو رضا، وما من قطر من الأقطار الإسلامية إلا ونجد به علماء الشريعة النابهين والدعاة الغيورين وهو ما ينقض هذا الادعاء من أساسه على أقل تقدير.

ثانيًا: إن الاحتجاج بأن المسلمين تفشى فيهم الكثير من الذنوب والمعاصي كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر... إلخ. للقول بردتهم عن الإسلام قول لا يصح، لأن مذهب أهل السنة و الجماعة يقضي بأن فعل هذه المعاصي لا يخرج من ملة الإسلام حتى إن ماتوا و لم يتوبوا منها، وأن هذه المخالفات تعد من نواقص الإيمان لا من نواقضه.

والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)([1]).

ووجه الدلالة من الاية أن الله تعالى جعل المخالفات والمعاصي ما دون الشرك قابله للمغفرة وفاعلها في مشيئة الله مما يعني عدم كفر فاعلها لأن الله لايغفر أن يشرك به.

ولقوله (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)([2]). ووجه الدلالة أنه لو كانت المعصية في الأية كفرًا لوقع آدم عليه السلام في الكفر, وهذا ممتنع؛ لأنه نبي, فدل ذلك على أن هناك من المعاصي مالا تعد كفرًا لا يكفر فاعلها.

وأيضًا لما جاء في حديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور:

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لاتشركوا بالله شيئًا, ولا تسرقوا, ولا تزنوا, ولا تقتلوا اولادكم, ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم, ولا تعصوني في معروف, فمن وفى فأجره على الله, ومن أصاب منكم شيئًا فعوقب به فهو له كفارة, ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه, وإن شاء عاقبه"([3]).

ووجه الدلالة في الحديث أن من وقع في معصية كالزنا أو السرقة أو القتل وأقيم عليه الحد بعد ذلك كان كفارة له, ولو كانت تلك المعاصي كفرًا يخرج من الملة ما نفعه ذلك, وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه" بشأن من أتى أيًا من هذه المعاصي وستر الله عليه, يدل على أن فاعلها ليس بكافر لأنه لو كان كافرًا لم يكن في المشيئة, وكان من أهل النار قطعًا؛ وهذا يدل على أن هذه المعاصي ليست بكفر يخرج فاعلها من الإسلام.

ثالثًا: إنه لا يصح القول بتكفير الأمة؛ لوجود بعض المسلمين أيًا كان عددهم يقعون في بعض الأعمال الشركية ؛ لأن أغلب هؤلاء يقعون في تلك الأعمال من جراء الجهل الذي قد يُعد عذرًا يمنع من لحوق حكم الكفر بهم وذلك للآتي:

.. قال تعالى: "ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ"([4]).

.. وقال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا"([5]).

.. وقال صلى الله عليه وسلم: "أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ: إِذَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لإِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا، قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلرِّيحِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ، أَوْ مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ"([6]).

ووجه الدلالة في الحديث أن هذا رجل شك في قدرة الله على جمع رفاته جهلًا بذلك وهذا كفر لكن الله غفر له لجهله, قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام, أو نشأ ببادية بعيدة, ومثل هذا لا يكفر حتى يجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده, أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا, وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: "إن انا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحد من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ماحملك على ما فعلت قال: خشيتك فغفر له", فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادتة إذا ذرى، بل اعتقد أنه لايُعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك, وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفرله بذلك).([7])ا.هـ

ولا يظن أحد أن العذر بالجهل يصح في الجهل بالأسماء والصفات, لكن لايصح فيما يتعلق بتوحيدي الربوبية والالوهية، ويرد هذا الزعم شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: (نحن نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأحد أن يدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم بلفظ الاستغاثه ولا بغيرها, كما أنه لم يشرع لأحد السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك, بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها, وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن لغلبة الجهل ولقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه".([8])أ.هــ

رابعًا: لا يصح تكفير الأمة الإسلامية عن بكرة أبيها اعتمادًا على وقوع أبنائها في الموالاة لغير المسلمين لأن الواقع يكذب ذلك، فهناك العديد من أبناء هذه الأمة يلتزمون بأحكام الموالاة الصحيحة, أما بعض المخالفات التي يقع فيها بعض المسلمين فهي لا تدخل في عداد الموالاة الباطنة الموجبة للتكفير وإن كانت من جنس الموالاة الممنوعة، كالتي وقع فيها الصحابي البدري حاطب بن أبي بلتعة حينما راسل مشركي قريش ليخبرهم باستعداد النبي صلى الله عليه وسلم لغزوهم قبيل فتح مكة, وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بعد أن قال: دعني أضرب عنقه يارسول الله: "دعه ياعمر إنه من أهل بدر ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اذهبوا فافعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم"([9]).

ولو كان مافعله حاطب كفرًا ما نفعه أن يكون من أهل بدر؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به.

 


 

 

 

 

[1]- النساء: 48

[2]- طه: 121

[3] -  صحيح مسلم ج3 ص 1333 رقم 1244.

[4] - التوبة:  115.

[5] - الاسراء: 15.

[6] - متفق عليه

[7] - مجموعة الفتاوى جـ3 ص31

[8] - الرد على البكري ص377.

[9] -  رواه مسلم.

 



 

خامسًا: أما الاحتجاج بأن المسلمين في مصر الذين نطقوا بالشهادتين "لا إله إلا الله محمد رسول الله" لا ينتفعون بها, ولا يكفي هنا لاثبات إسلامهم لعدم معرفتهم بمعانيها وعدم الإتيان بشروط الانتفاع بها فهو خطأ جسيم مخالف لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولعقيدة أهل السنة والجماعة وذلك للأتي:

ا- إن سلف الأمة وعلماء أهل السنة والجماعة اتفقت كلمتهم جميعًا على أن من نطق بالشهادتين معتقدًا صحة دين الاسلام جملة مسلم محكوم له بالاسلام, ولم يقل أحد منهم أنه لا يحكم له بالإسلام إلا إذا أتى بشروط لا إله إلا الله السبعة, ولم يكلفوا أحدًا أن يتثبت من وجود ذلك قبل الحكم عليه, ولم يشترطوا أن يعلم كل ما يدل عليه قول لا إله إلا الله بشكل تفصيلي يشمل كل ما يتعلق بتوحيد الربوبية والإلوهية والأسماء والصفات, ومحيطًا بكل مظاهر الشرك الواجب اجتنابها، واستدلوا بأحاديث كثيرة للنبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأصل منها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلو ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".([1])ا.هـ.

قال الإمام النووي: "وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم"([2]).ا.هـ

أخرج الإمام مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال: (... وكانت لي جارية ترعى غنمًا قبل أحد والجوَّانية فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف لما يأسفون لكني صككتها صكة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليًّ فقلت يارسول الله أفلا أعتقها؟ قال: آتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا، قالت أنت رسول الله قال: اعتقها فإنها مؤمنة).ا.هـ

قال الإمام النووي: "وفيه دليل على أن من أقر بالشهادتين واعتقد ذلك جزمًا كفاه ذلك في صحة إيمانه, وكونه من أهل القبلة والجنة, ولا يكلف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك, ولا يلزمه معرفة الدليل, وهذا هو الصحيح الذي عليه الجمهور"([3]).ا.هـ

وقال الإمام القرطبي: "وفي هذا الحديث أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل فطن, ومن أهمها أن لا يشترط في الإيمان التلفظ بألفاظ مخصوصة كالشهادتين بل يكفي كل لفظ يدل على برهان نظري إذ لم يسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن طريقة علم ذلك, ولا كانت أيضًا ممن يصلح لفهم تلك البراهين والاستدلالات"([4]).ا.هـ

وقال الإمام النووي: "اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة لايخلد في النار لا يكون إلا من أعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك ونطق بالشهادتين"([5]).ا.هـ.

فهل رأينا في حديثي رسول الله صلى الله عليه وسلم –وغيرهما كثير- أو في أقوال العلماء السالفة –وغيرهم كثير- اشتراط توفر شروط لا إله إلا الله السبعة التي يذكرها أصحاب هذا القول الشنيع بتكفير كل المسلمين للحكم بالإسلام على من نطق بالشهادتين.

ب- يدحض هذا الاشتراط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بإسلام من قال لا إله إلا الله رغم نفاقه استنادًا على مايظهره لا ما يبطنه, ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل أحدهم هل تعلم معنى لا إله إلا الله, وهل أتيت بشروطها السبعة من علم وصدق وإخلاص ويقين وقبول وانقياد ومحبة ليحكم بإسلامه.

ج- إن الأحاديث التي يحتج بها من يشترط تلك الشروط كلها تتعلق بالانتفاع بقول لا إله إلا الله في الآخرة, ولا تدل على اشتراط وجودها للحكم عليه بالاسلام في الدنيا, وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح عن عثمان رضي الله عنه: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ",([6])وقوله في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّة"([7]), فكل هذه الاحاديث وما يماثلها تتحدث عن الحكم الأخروي لمن قال لا إله إلا الله ولا تتحدث عن الحكم عليه في الدنيا، وهذا أمر منطقي لأن تلك الشروط السبعة كلها تتعلق بالباطن كالصدق والإخلاص واليقين والمحبة والانقياد والقبول ولا سبيل للبشر إلى معرفة حقيقة وجودها ليحكموا في الدنيا على أساس من ذلك على من قال لا إله إلا الله, بينما الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى مطلع عليها ويحكم على اساسها على قائلها في الآخرة فينتفع بها من أتى بها ويكون له الجنة.

ومن كل ماسبق يظهر أن قول المصريين أو غيرهم لا إله إلا الله محمد رسول الله كاف في إثبات الحكم لهم بالإسلام، وأن من أتى منهم بمعصية دون الشرك أو الكفر فهو لايكفر بذلك حتى وإن استحق عقابًا في الدنيا عليها, وهو في الآخرة في مشيئة الله إن شاء عذبه أو عفا عنه، أما من صدر منه قول أو فعل كفري سواء كان في باب الشرك أو الموالاة أو غيرهما فلا يصح تكفيره إلا بعد التأكد من أهل العلم الثقات من توفر شروط التكفير وانتفاء الموانع التي تمنع من تكفيره كالجهل أو الخطأ أو التأويل أو الإكراه أو غيرها.

 وهكذا لا نجد مستندًا شرعيًا صحيحًا يستند عليه هذا التوصيف الجائر في حق أمة الإسلام و الشعب المصري بأسره، وفي حق أكثر من مليار مسلم بطول العالم وعرضه.

 

 

 

 

وأخيرًا ..

فاننا نذكر بأن تكفير المسلم فيه ظلم كبير وخطر عظيم؛ لأنه يبيح مال أخيه المسلم ويهدر دمه بغير وجه حق, ويقطع الصلة بينه وبين أهله وكافة المسلمين, فلا يرث ولا يورث, ولا يزوج منهم, ولا يدفن في مدافن المسلمين، وهو أيضًا خطر على من حكم عليه بهذا الحكم بغير وجه حق.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه"([8]).

 ولنتذكر ..

ماقاله الأئمة في هذا الأمر:

قال الإمام ابن عابدين: "وفي الخلاصه وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنعه فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينًا للظن بالمسلم"([9]).ا.هـ.

قال الإمام أبو حامد الغزالي: (والذي ينبغي أن يميل إليه المجتهد الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلًا, فإن استباحة الأموال من المسلمين المصلين إلى القبله المصرحين بقول لا إله الا الله محمد رسول الله خطأ, والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم)([10]).ا.هـ

[1] - رواه مسلم.

[2]- شرح صحيح مسلم للإمام النووي جـ1 ص212

[3] - شرح صحيح مسلم للنووي جـ 5 ص23

[4] - القرطبي ج1 ص149

[5] - شرح صحيح مسلم للنووي جـ1 ص149

[6] - رواه مسلم.

[7] - رواه مسلم.

[8] - رواه البخاري ومسلم

[9] - حاشية ابن عابدين جـ4 ص 224

[10] - فيصل التفرقه بين الإسلام والزندقة للإمام أبى حامد الغزالي ص23.

 


اضف تعليق

استطلاع رأي

ما توقعاتك بشأن الانتخابات الحالية للحزب؟
نتيجة التصويت

توقيت الصلاة

فيديوهات

المزيد

دورات تدريبية

المزيد

الصور

المزيد

شاركنا رأيك