حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

دراسات وأبحاث

تدمير البنية التحتية جهاد مشروع أم افساد ممنوع (2)

0000-00-00

تمهيد

 

 قبل الإسلام عاشت البشرية وقائع الحرب الهمجية التي يسعى خلالها كل طرف إلي استخدام كافة الأساليب والوسائل لتحقيق النصر وكسر إرادة الخصم وحدث ولا حرج عن الحريات المنهكة والأنفس المزهقة والتنكيل والتمثل بالأحياء والقتلى والتدمير بلا هدف وبغير حدود تلك الحرب الهمجية التي كانت تستمر سنوات طويلة دون توقف لتفنى أجيالاً وراء أجيال ولترث الأحفاد ثأرات الاَباء , ومازالت حرب داحس والغبراء وحرب البسوس ثم حروب التتار بعد ذلك بقرون ماثلة في ذكرة البشرية كنموذج لوحشية الوسائل وقذارة الأساليب.

وجاء الإسلام للحرب العادلة النظيفة , فالحرب حقيقة واقعية لا مفر من وقوعها أحياناً ومن ثَمً يجب تهذيبها وأولى الأمور التي تحتاج لمثل هذا التهذيب مايتبع فيها من وسائل وأساليب.

إذا كان لابد في الحروب من قتل وتدمير , كان لابد من التطلع لتحقيق النصر فقد اختط الإسلام لنفسه خطه واقعية ولم يقع مغرقاً في المثالية فالأمر يحتاج إلى موازنة بين أمرين يصعب الجمع بينهما : تهذيب الوسائل والأساليب والحفاظ على الفاعلية في أداء الجيوش وهذا التوازن هو ما انحاز إليه الإسلام محققاً امتزاجاً بديعاً بين الفاعلية والرحمة والعدل, وجاءت الأحكام التي تضبط اختيار وأداء الوسائل القتالية مترجمة لمبدأ الفاعلية في الوسائل في إطارٍ من : العدل والرحمة وتبدى في الاتي :

1-  حصر نطاق القتل في أضيق نطاق ممكن :

رفض الإسلام منطق توسيع دائرة القتل كأسلوب لتحقيق الظفر في أسرع وقت .....

ومن ثَمً فقد ضيق الإسلام دائرة المستهدفين بالقتل إلى أقل درجة ممكنة بحيث لا يشمل المدنيين الذين لا ينتصبون للقتال سواء كانوا نساءً أو أطفالاً أو شيوخاً أو رهباناً أو صناعاً .

ونفس الصنيع نجده في التعامل مع الأسارى فلم يوجب الإسلام قتلهم بل جعل لإمام المسلمين الخيار من بين عدة خيارات: منها : المن عليهم , أو قبول الفداء منهم أو مبادلتهم بأسرى المسلمين.

ولم يوجب الإسلام على جنوده الإجهاز على الجريح.

ولم يقتصر هذا الأمر على قتل الأنسان لكن تعداه إلى الحيوانات , فقد تصاب بالدهشة من هذا الموقف النبيل والرحيم الذي يقدمه الإسلام لنا في هذا الصدد فالإسلام لا يجيز لجنوده عقر الدواب إلا لأكل لابد منه , ولا يجوز لهم تغريق النحل ولنسمع لقول الإمام ابن قدامه وهو يستعرض لنا هذا الحكم فيقول : " وجملته أن تغريق النحل وتحريقه لا يجوز في قول عامة أهل العلم منهم الأوزاعي والليث والشافعي .

ولنا ماروي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال ليزيد بن أبي سفيان وهو يوصيه حين بعثه أمير على الشام : ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه

وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النحله ونهى ان يقتل شئ من الدواب صبرا ولأنه إفساد فيدخل في عموم قوله تعالى :

)وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَاد(

ولأنه حيوان ذو روح فلم يجز قتله لغيظ المشركين كنسائهم وصبيانهم" ا.هـ

 

2-  حصر نطاق التدمير في أضيق نطاق ممكن:

 

عندما نتأمل في وصية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ليزيد حينما بعثه أميراً نعلم مدى حرصه على جعل التدمير في أضيق نطاق , يقول الصديق رضي الله تعالى عنه :

( يايزيد لا تقتلن صبيا ولا امرأة ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تغرقن نخلا ولا تحرقنه ولا تغلل ولا تجبن) ا.هـ

3- البعد عن الأساليب القاسية

الأساليب القاسية في مواجهة العدو كالتحريق والتغريق وما يماثلهما في العصر الحديث لا يلجأ إليها الإسلام وفي ذلك يقول الإمام ابن قدامه الحنبلي " إذا حورب العدو لم يحرقوا بالنار , أما العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار بلا خلاف ".

4- عدم اللجوء إلى اساليب القتل أو التدمير إذا كان المقصود يمكن أن يتم بدونها:

لأن غرض الإسلام تهذيب الحروب وتقليص القتل إلى أقل حد ممكن, منع الفقهاء من اللجوء إلى ذلك إذا كان هناك وسيلة أخرى يمكن أن تحقق ذات المقصود.

لنتأمل في أقوال بعض الفقهاء التي تقرر هذا المعنى الدقيق:

ويقول ابن قدامة في حكم قتال البغاة الذين يخرجون على طاعة الإمام بغير تأويل مستساغ : "ثم إن أمكن دفعهم بدون القتل لم يجز القتل من غير حاجه" ا.هـ

5- احترام الأتفاقيات المعقودة.

يتيح الإسلام لأتباعه الدخول في اتفاقيات ثنائية أو دولية تحدد ماهو ممنوع ومسموح به من الوسائل والأساليب أثناء اشتعال الحروب.

وفي تقرير هذا المعنى يقول الإمام ابن قدامة: "ولا يقطع شجرهم ولا يحرق زرعهم إلا أن يكونو يفعلون ذلك في بلدنا فيفعل ذلك بهم لينتهوا (...)

أو تكون العادة لم تجر بذلك بيننا وبين عدونا فإذا فعلناه بهم فعلوه بنا فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين" ( ا.هـ

هذه بعض الأحكام والقواعد التي هذب بها الإسلام الوسائل والأساليب القتالية بما يحقق الرحمة والعدالة دون إخلاء بفاعلية أداء الجيوش.


اضف تعليق