حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

مقالات و آراء

على هامش الأحزان: خمس خطوات لتفكيك التركيبة الداعشية

2017-04-14

وقع المحظور و فجر المجرمون الكنيستين في ( طنطا ) و ( الإسكندرية ) ، بفجور و قلة اكتراث للحياة الإنسانية  أو لدائرة الفزع التي اتسعت في كل اتجاه ، و خلقت رعبا ً حقيقيا ً فاق كل توقع ، و حزنا ً غائرا ً _ غير مفتعل ! _ في قلب كل مصري تابع الحدث و سمع الصرخات ،  و تلقى رسالة التطرف الرهيبة ، و نفذ في قلبه _ كنصل الخنجر _ بكاء الأبرياء و نحيبهم ، و هم الذين ذهبوا ليباشروا صلواتهم دون تحسب للنيران و اللهب و الموت ! أكرر : وقع المحظور الذي حذرنا منه قبل سنوات حين دارت عجلات التحريض ، و سخر المحرضون من تحذيرنا _ آنذاك _ حين أبدينا مخاوف ( مبررة ) من ( دعشنة ) الأفق المصري ، بشكل تدريجي متصاعد / مخيف ، و تنامي التطرف بعد أن كفر شريحة من الشباب ، بقيمة المعارضة السلمية ، أو العمل السلمي كأثر مباشر من آثار مصادرة الحياة السياسية بقسوة بالغة ، و اندفاع كيدي غير متبصر ، أو مقدر للعواقب الوخيمة ، و هو نهج يتبعه بالضرورة _ كما علمنا التاريخ _ تعاظم جيوب التزمت ، و انفجارها على النحو الذي رأيناه !

 خبرة مصر _ حكومة و شعبا ً _ في التعامل مع ( داعش ) هي في المجمل خبرة محدودة للغاية ، فلم يسبق لوطننا أن واجه الحالة الداعشية ، عند هذا الحد المسنون ، و بهذا السقف الخطير من المواجهات المسلحة الدامية / الموسعة . أقول هذا قياسا ً إلى خبرة أشقائنا في ( الرقة ) أو ( الموصل ) مثالا ً لا حصرا ً  ، و هم مع خبرتهم المنوه بها لم يستطيعوا أن يحموا أنفسهم من خطر داعش التي التفت حول جسدهم كثعبان ( الكوبرا ) !  لا مجال هنا لإمساك العصا من المنتصف ، أو التردد في إدانة هذه الخسة ، التي تستهدف العزل الأبرياء لتصدير الإحراج إلى الأنظمة و كسر هيبتها ، فالمدنيون ليسوا عرائس ( ماريونت ) او دمى في لعبة  لنساوم بهم أو نقايض بأرواحهم ، و العابدون الذين يلزمون محاريبهم أو دور عبادتهم ، لهم في كل الأديان و الشرائع _ خصوصا ً شريعة الإسلام _ ( حرمة خاصة ) . " .. فإن أغلقوا الباب على أنفسهم " _ كما يقول الفقهاء _ " اندفع شرهم مباشرة و تسبيبا ً " و ثبتت لهم ( الحرمة الخاصة ) ، التي تحول دون التفكير _ مجرد التفكير ! _ في إيذائهم ( راجع " الأصول " للسرخسي ) و لا أتصور أن المنحى الشرعي في المسألة بحاجة إلى جدل معمق ، فالأمر محسوم لا ينفتح معه أي مجال للتبرير أو ( الشرعنة ) أو التفلسف بافتعال المبررات الفقهية الهشة !

 أسفرت الجريمتان عن قتل ما يزيد عن أربعين بريئا ً ، و جرح ما يزيد عن مائة شخص ، و رأينا النفوس مشتعلة محتقنة ، بتأثير المشاهد المروعة . و دفع الاحتقان و الغضب ببعض المصريين ( المكلومين ) إلى تشكيل حشود غاضبة أمام باب الكنيسة في ( طنطا ) . و رأينا الحشود الغاضبة توسع أحد القيادات الأمنية الكبيرة ضربا ً _ في تنفيس عفوي عن حالة الغضب البركاني _ و هو ما حدا بالحكومة إلى إقالة مدير أمن الغربية !

 و لو أن السلطة  كفت عن ( غطرسة القوة ) _ كما يسميها السيناتور " وليام فولبرايت " _  و أنصتت لنصحنا قبل سنوات و تحذيرنا المستمر من هذه المآلات الدموية  و تأكيدنا الدائم بأن قوة الخصم ستتشكل بالتدريج على المدى القريب و البعيد ، و لو أن الإعلام المصري المحرض سمع لكلمة الحكماء منذ البداية و كف عن خطابه التحريضي المجنون ، لربما أمكن للحكماء تطويق الأزمة منذ البداية و لو جزئيا ً ، و لما ركب الداعشيون المشهد بالسكاكين و الكلاشنكوف و زخات الرصاص الحي !

 تصور المخططون الاستراتيجيون في مصر أن مثلث سيناء هو المستهدف _ وحده _ بالخطر الداعشي و بنوا حساباتهم على إمكانية عزل المشهد السيناوي بصرامة في جولات المواجهة عن أية رقعة جغرافية أخرى في مصر ، ولكن الذين يعرفون أدبيات تنظيم الدولة و منهجه اللوجستي في التحرك ، كانوا يعرفون جيدا ً أن التنظيم سينقل جزءا ً من المعركة بالضرورة  إلى الحواضر و المدن الكبرى و العواصم ، لتصدير الإحباط و الإحراج و حصد مكسب أساسي ممثلا ً في ( الشو ) الإعلامي المتضخم ! إن اطلاعا ً يسيرا ً على نهج المواجهة لدى تنظيم الدولة ، كما أفصح عنه " عبد الباري عطوان "  في كتابه الشهير عن التنظيم ، او كما بين ذلك بوضوح " حسن أبو هنية "و د " محمد أبو رمان " في كتابهما : " تنظيم الدولة " ، أو كما كشف الصديق " عصمت الصاوي " في كتابه الأحدث المهم : " حوار هاديء مع داعشي "  و كان لي حظ مناقشته في معرض القاهرة الدولي للكتاب حديثا ً ، أقول إن الذين جمعوا  خبرات معينة حول طريقة التنظيم يعرفون أنه ، حين يتعرض للضغط العسكري الشديد في مساحة جغرافية معينة ، يطبق _ بحسم _  نظرية ( الذئب المنفرد ) في مساحة أخرى ، مستخدما ً طريقة التفجير التي تستهدف المرافق و المنشآت الحساسة في حواضر كبرى بعيدة عن بؤر المواجهة ،  لإرباك الخصم و فسح مجال المواجهة أمامه ، و توسعة مداها  و تصدير الإحراج الإعلامي و الإحباط المعنوي معا ً !

 و مع استشعاري مرارات متراكمة في الحلق ، بسبب غطرسة السلطة و عدم قبولها لأي نصح ، اكتفاء بالخيار الأمني وحده ، فإن التعالي على الآلام و تقديم النصح باتا أمرين واجبين ، و لا مفر هنا من تنبيه السلطة _ قبل فوات الأوان _ إلى خمس خطوات أساسية لتفكيك الخطر الداعشي :

 الخطوة الأولى : المسارعة إلى فتح المجال السياسي و الإعادة المتدرجة أو السريعة لفضاء الحريات المدنية ، و نزع حالة الاحتقان الضاغطة على الجميع _ و على السلطة المأزومة في المحل الأول ! _ فداعش لا تعمل _ في الأعم _ إلا في أجواء القهر السياسي و الاحتقان و النكبات الاقتصادية المزلزلة  ، التي تشكل بيئة نموذجية لنموها ، كما وجدنا بوضوح في الرقة و الموصل و الأنبار ، حيث انفرد صوت القوة المسلحة _ دون منهج أو فكر _ بالمشهد و غابت المواءمات السياسية و الإدماج المفترض لأطياف الفكر السياسي المتنوع . و نجحت منابر داعش _ هناك _ في حصد الأنصار الذين تسربوا من وعاء الدولة المثقوب ، الذي أفسده القهر السياسي و الانهيار الاقتصادي و اللون الواحد  و الفشل الأدائي المتراكم ! و لا مفر هنا من أن  تواجه السلطة المصرية صورتها في المرآة كما هي لتتأكد  من أن قسما ً كبيرا ً من هذه الداءات قد زحف إلى ممارستها _ سياسيا ً و اقتصاديا ً _ بما أفقدها جزءا ً كبيرا ً من الحاضنة الشعبية التي تآكلت  بصورة خطيرة بضغط الأزمات الداخلية الرهيبة ، الممزقة للضلوع ، و في الصدارة منها أزمة الحرية بالتأكيد فكل شاب تفقده الدولة الوطنية من رصيدها الحي بظلمه أو قهره ، يصبح بالضرورة رصيدا ً نموذجيا ً مضافا ً إلى أرصدة داعش و جعبتها المتنامية بمتوالية عددية و الأمثلة كثيرة !  

 الخطوة الثانية : ترسيخ مناخ المصالحات الوطنية و الانفراجات الكبيرة ، دون يد مرتعشة أو تردد ، فالضغط على الزناد طول الوقت يضعف القبضة تدريجيا ً و يخلق مناخا ً عصبيا ً مفعما ً بالتوتر ، و قد قدمت ، كما قدم غيري ، ورقات كثيرة للمصالحة الوطنية الشاملة ، و أصرت السلطة على الرفض دون منطق أو بدائل ، فنزف الاقتصاد و ماتت السياسة و أجهضت أحلام الشباب بقسوة و ( تدعشن ) الفضاء المصري ، و قدم لمسلحي سيناء فرصا ً بالجملة لقنص المحبطين و تكريس الاستقطاب و ضرب الحاضنة الشعبية للسلطة في مقتل بعد أن أبغضتها شريحة معتبرة من الرأي العام ! و قد درست شخصيا ً في ورقة المصالحة الوطنية الأولى  التي قدمتها للسلطة سبعا ً و عشرين حالة عدالة انتقالية في العالم _ و خصوصا ً في الأرجنتين و تشيلي و جنوب إفريقيا _ أملاً في تطبيقها  مصريا ً ، و لكن أجنحة فاعلة داخل السلطة ترددت بضغط الميديا التحريضية ، و دفعنا جميعا ً الثمن بعد أن ثبت أن فرص النصر النهائي لأي طرف في معركة صفرية ، مجرد وهم عريض لم نفق منه إلا على إخفاق و إحباط مخيفين !  و حين خاطبتني السلطة و فكرت مجددا ً في إحياء المصالحات الوطنية و اختبار الفكرة  مرة أخرى ، فوجئت لاحقا ً بإزاحة المتعاطف الأبرز  مع ملف المصالحة الوطنية من التشكيل الوزاري الجديد ، و هو المستشار ( مجدي العجاتي ) في خطوة غير مفهومة ! و مازلت مستعدا ً مع غيري من المصريين المحبين للوطن  لتقديم مزيد من ورقات المصالحة الوطنية لفتح ثقب _ ولو صغير ! _ للأمل في أفق شديد العتمة .

 الخطوة الثالثة : إعادة النظر في الاستراتيجيات المتبعة في الحالة السيناوية بالخصوص ، أعني الاستراتيجيات الأمنية و السياسية عموما ً ، فقد تمدد الخطر هناك في رقعة واسعة . و لم تستطع السلطة أن توقف مشاعر الغضب  البدوي المتنامي الذي وفر للمسلحين هناك شبه حاضنة شعبية ، و يمكن هنا النظر إلى قبيلتي ( السواركة ) و ( البياضية ) بوصفهما نموذجين بارزين ! و يلحق بهذا ضرورة الاحتفاظ بمسافة أمان  بعيدا ً عن الثعبان الأمريكي ، المصر على استدراج الحالة السيناوية لمصير معين ، فالدبلوماسي الأمريكي الذي يبتسم _ في العلن _ في وجوهنا و يعلن تأييده لخطواتنا ، يتحالف تحت المائدة مع التنظيمات الراديكالية ، و يمدها بكل أسباب القوة لضمان عملية الإنهاك المتبادل ، ثم التدخل العسكري الخشن لاحقا ً ، و قد تلاعب الطرف الأميركي  في العراق مثالا ً لا حصرا ً ، بكل الأطياف المتصارعة ، فقوى شوكة تنظيم الدولة ، ثم شد أزر قوة ( الصحوات ) المناهضة لها ليسقط الجميع في بؤرة الإنهاك الكامل دون منتصر أو مغلوب ، و هي تباشر اللعبة نفسها في ( سوريا ) بنجاح في معركة سرمدية تشبه أسطورة " سيزيف "  !

 الخطوة الرابعة : توطيد دور الأزهر و استدعاؤه بقوة ، و الكف عن خوض الحروب الصبيانية معه ، فالأزهر يظل  _ برغم أي خلاف معه _ حاضنة أساسية للثقافة الإسلامية الوسطية _ لا المنقادة ! _ و هو الدرع  الوطنية القوية الواقية الوحيدة ، القادرة برصيد الخبرات التاريخية ، و قوة الحاضنة الشعبية ،  و صلابة التكوين الشرعي ، على تطويق الفكر الداعشي ، في مساحاته الشرعية الأساسية ، التي تتعلق بفكرة ( استباحة النفس و المال ) ، و من هنا لم يكن مفهوما ً أن تبادر أجنحة داخل السلطة بتحريك بعض المسوخ الإعلامية الشاردة لمهاجمة الأزهر ، بغوغائية و فجاجة و بذاءة غير مسبوقة ، فبدت السلطة بمسوخها الماضية في ركابها كمن يقطع شريان يده ليغيظ الخصوم ! فخيط الثقافة الأزهرية الراسخة بدءاً بالإمام ( محمد عبده ) ، مرورا ً بالمراغي و محمود شلتوت و علي الزنكلوتي و محمد أبو زهرة  ورفاقهم ، أقول إن هذا الخيط يظل سلسالا ً ضامنا ً لاعتدال الفكر و الشخصية المصرية في عصبها الحي ، و يبقى لغزا ً عصيا ً على الفهم أن تخاطر السلطة بحرق السفن مع الجميع ، و خصوصا ً الأزهر ، مع بروز مخالب داعش التي اندست في قلب الوطن بقسوة و بسلاح متطور قوي ! و بوضوح لن يكون ( الجفري ) و الدعاة الديكوريون بديلا ً عن الأزهر !

 الخطوة الخامسة : المسارعة باستئصال الخطاب الإعلامي العدواني الحاضر ، الذي لم يكف عن التحريض و إيغار الصدور و بث سم الكراهية العنصرية السوداء ، بأحط أداء مهني عرفته مصر على الإطلاق ، مع التأكيد بأن ( أحمد موسى ) و رفاقه يجرون السلطة إلى مواجهات سخيفة  مع الجميع ، و يشكلون لتنظيم الدولة أخصب مناخ ، لجذب فيالق الشباب المقهور بمحبطات كثيرة  _ و من بينها مدينة الإنتاج الإعلامي ! _  إلى ممالكه الموعودة !

 يمكن للسلطة بطبيعة الحال أن تغض الطرف عن هذا النصح بتقزيم الخصم و الاستهتار به ، أو بتقزيم التحدي المطروح  ، أو بتقزيم الناصحين بدعوى امتلاك الحكمة الوحيدة في صندوقها المغلق ، و لكن لتتذكر جيدا ً أن ألسنة النار التي كنا نراها _ قبل سنوات _ على مبعدة فراسخ أو أمتار ، قد أمسكت بثيابنا فعليا ً ، و ما زال المخرج ممكنا ً !


نقلا عن: المصريون

اضف تعليق

استطلاع رأي

ما توقعاتك بشأن الانتخابات الحالية للحزب؟
نتيجة التصويت

توقيت الصلاة

فيديوهات

المزيد

دورات تدريبية

المزيد

الصور

المزيد

شاركنا رأيك