حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

دراسات وأبحاث

تدمير البنية التحتية جهاد مشروع أم افساد ممنوع (3)

2017-01-09

عرض وتقييم

 

في إبان المواجهات التي تفجرت في بالجزائر بين بعض الحركات الإسلاميه والجيش الجزائري على خلفيه قيام الجيش بإلغاء نتيجة الجوله الأولى من الإنتخابات التشريعيه والتي فازت بها الجبهه الإسلاميه  للإنقاذ ,بدأت الجماعة الإسلامية المسلحة بالجزائر في استهداف المؤسسات الحكوميه المختلفه بالتدمير , وبدأت الأخبار تتوالى بقيامها بتفجير بعض المدارس والكباري ومحطات الكهرباء وغير ذلك.

وكان لجوء الجماعة الإسلامية المسلحة لذلك يستهدف عدة أمور:

1- إرهاق الدولة الجزائرية وإظهارها بمظهر غير القادر على حماية تلك المؤسسات.

2- حرمان قوات الجيش من الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات  والتي يتم تسخيرها لخدمته في المواجهة مع الجماعة المسلحة.

3- طرح القضية المتعلقة بالصراع بينها والجيش الجزائري بقوة على جموع المواطنين الجزائري كي يحددوا موقفهم منه.

4-  تحقيق استمرارية العمليات في ظل مهاجمة أهداف يسهل الوصول إليها,وتشتيت قوات الجيش الجزائري إذا ماقام بحمايتها.

واستمرت هذه العمليات المستهدفه لهذه المؤسسات والبِنى التحتية للدولة فترة من الزمان مخلفة من ورائها الكثير من الدمار والضحايا وتاركة تزايداًمطرداً في النقمة الشعبية على الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية.

وتثير هذه العمليات التي استهدفت البنيه التحتيه والمؤسسات الحكومية تساؤلاً مهماً حول مشروعية هذا الأسلوب؟

ولأهمية هذا السؤال سنحاول الإجابة علية عبر هذا الفصل.

توصيف ضروري:

وبداية نحتاج إلى تحديد المقصود بالبِنى التحتية والمؤسسات الحكومية وماذا يعني تدميرها  قبل بيان الحكم الخاص بجواز أو حرمة تدميلرها وبيان ذلك كالأتي:

- المؤسسات الحكومية هي تلك الهيئات التي تقدم خدمات معينة لمجموع المواطنين من خلال مجموعة موظفين يعملون بها وفقاً لأسس وقواعد مقرره سلفاً من قبل الدولة التابعة لها تحدد اختصاصاتها  وطريقة عملها . ومثل هذه المؤسسات لم تكن موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  لكن بدأ ظهورها في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه عندما أنشأ الدواوين كديوان الجند ,ثم توالى ظهورها بعد ذلك تباعاً.وينفق على هذه المؤسسات من الموازنه العامة للدولة سواء في تجهيزها بالمعدات أو المباني أو في صرف رواتب العاملين بها وذلك لتمكينها من إدارة شؤون الدولة.

_ أما مصطلح البِنى التحتية فهو يعد مصطلحاً جديداً لم يكن معروفاً في العصور الماضية.

ويقصد به مجموعة المشروعات والإنشاءات النوعية التي يتم تمويلها من ميزاني الدولة وتهدف: إلى تيسير وصول الخدمات إلى المواطنين نظير رسوم معينة يدفعونها في أغلب الأحيان.

وتلك المشروعات تسهم في تفعيل أنشطتهم المختلفة الزراعية أو الصناعية أو التجارية. ومن أمثلتها: الترع والطرق والكباري ومحطات توزيع الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات السلكية واللايلكية والمؤسسات التعليمية : كالمدارس والجامعات, والمصانع الكبرى: كالحديد والصلب والألومنيوم والموانيء... إلخ

ومن الواضح بعد هذا التوصيف أن ملكية هذه المؤسسات أو تلك البِنى التحية  لا تعود لشخص بعينه أو لبعض الحكام أو الوزراء   لكنها تعود في الحقيقة للشعب بأسره كما أن هذه المؤسسات والبني التحتية تقدم خدمات مباحة لمجموع المواطنين ... بالإضافة إلى أن هناك  موظفين يقومون عليها أغلبهم من أهل البلاد نفسها

•             حرمة تدمير البني التحتية والمؤسسات الحكومية ببلاد المسلمين

وبناء على هذه التوصيف يمكن القول إنه لا يجوز القيام بتدمير المؤسسات الحكومية والبني التحتية في ديار  الإسلام للآتي :

1-  إن هذا التدمير قد يؤدي إلىة قتل بعض العاملين  بها ممن لا يجوز قتلهم

2-  إن تدمير  هذه المؤسسات وتلك البني التحتية هو إتلاف  لممتلكات لا يصح إتلافها لأنها ملك الشعب بكل طوائفه ولا خصومة أو حرب بين هذه الحركات وتلك الجموع الشعبية تبيح مثل هذا الإتلاف

3-  إن  هذا من الفساد المنهي عنه شرعا لقوله تعالى ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) ( البقرة : 20 )

4-   إن تدمير هذه المؤسسات والبنى التحتية  كمحطات المياه والكهرباء والمستشفيات والمجارس والطرق والكباري ... إلخ ينتج عنه أضرار عديدة بالمسلمين وأبنائهم  وغيرهم بجون جريمة ارتكبوها وهذا مخالف لقول النبي صلي الله عليه وسلم  ( لاضرر ولا ضرار)

5-  إن المصالح التي يسعى لتحقيقها من يقومون بإستهداف هذه المؤسسات وتلك البني التحتية لا تعادل المفاسد المترتبة على تلك العمليات خاصة ما يترتب عليه من نفمة شعبية ضد كل ما هو إسلامي تحت ضغط تبرم الناس من تعطيل مصالحهم الصحية أو التجارية أو الزراعية  أو نتيجة للمشقة التي تعتري حياتهم لإفتقارهم الخدمات الأساسية كالكهرباء  والماء والصرف الصحي إلخ .. خاصة وأنهم لا يرون أنهم قد أضنبوا ذنبا يستحقون بموجبه مثل هذه العقوبات بل منهم من يكون محبا للدين وللعاملين له ثم يتحول موقفه هذا إلى العداء كنتيجة لتلك العمليات

6-  وأخيرا إذا كان  الفقهاء لم يجيزوا عقر دواب المشركين أو تحريق نحلهم أو قطع شجرهم ونخلهم في ديارهم ثناء الحرب معهم ما لم تدع حاجة لذلك  ولم يكن الخلوص إليهم  إلا بهذا فهل يصح في ظل هذا أن يقال بجواز هدم وتدمير مثل هذه الأشياء في ديار الإسلام والمملوكة لجموع المسلمين وغيرهم  والذين لا حرب بينهم ومن يقوم بهذه العمليات  ولا شك في أن استهداف مثل هذه المنشأت سيترتب عليه تعكير صفو العلاقة الطبية المفترض قيامها بين العاملين للإسلام وجموع الشعب ويجعل الهوة سحيقة بينهم وكل هذا يصب في اتجاه انفضاض الناس عن دعوتهم وهذه نتيجة غير مرغوبة شرعا وعقلا

إذا كانت هذه هي أدلتنا على جزمة لستهداف البنية التحتية  في الديار الإسلامية بالتدمير فبماذا يحتج من يبيح القيام بهذه الأعمال

•             مناقشة أدلة من يبيح تدمير البنية التحتية

يستدل القائمون بهذه الأعمال بامور عدة نناقشها واحدا  تلو الآخر :

1-  الإحتجاج بأن المسلمين رتوا عن الإسلام في هذه البلاد ومن ثم فلا الإعتداء على البنية التحتية إعتداءا على ممتلكات المسلمين

ونناقش قولهم هذا بالآتي :

لا شك في خطأ وخطورة الحكم على الشعوب الإسلامية عن بكرة أبيها بالردة ولا شك في أن هذا التوصيف الجائر يفتقر إلى دليل صحيح من الواقع أو من الشرع وبيان ذلك بشكل مختصر كالآتي  :

1-  إن القول  بوقوع المسلمين جميعا في ردة جماعية قول يفتقر إلى الدليل ويكذبه الواقع حيث نرى أكثر المسلمين يقومون بأداء  واجباتهم الشرعية ولا يتلبسون بأي من المكفرات المخرجة من الملة عن عمد أو علم  أو رضا  وما من قطر من الاقطار الإسلامية إلا ونجد فيه العديد من الحركات الإسلامية الملتزمة بعقيدة أهل السنة والجماعة ووجود مثل هذه الحركات وتلم الجموع المؤمنة ينقض هذا الإدعاء نفسه

2-  إن الإعتماد على أن المسلمين يفشو فيهم الكثير من الذنوب والمعاصي : كالسرقة والزنى وشرب الخمر إلخ للقول بردتهم عن الإسلام قول لا يصح لأن مذهب أهل السنة والجماعة يقضي بأن فعل هذه المعاصي لا يخرج  من ملة الإسلام وأن هذه المخالفات تعد من نواقض الإيمان لا من نواقضه والدليل على ذلك قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )  ( النساء : 48 ) ولوقوله ( وعصى ءادم ربه فغوى)

وأيضا لما جاء في حديث عبادة ابن الصامت الصحيح المشهور انهم بايعوه صلى الله عليه وسلم  ( فمن وفى منكم  فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا ففعوقب به فهو كفارة  ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء غفر وإن شاء عذبه)

3-  أنه لا يصح القول بتكفير شعب من الشعوب الإسلامية باسره لوجوده بعض المسلمين أيا كان عددهم  يقعون  في بعض   الأعمال الشركية كالذبح أو النذر أو الدعاء لغير الله لأن أغلب هؤلاء لا يقعون في تلك الشركيات إلا  من جراء الجهل الذي يعد عذرا يمنع من لحوق حكم الكفر بهم وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : نحن نعلم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لاحد أن يدعو أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين  ولا غيرهم بلفظ الإستغاثة ولا بغيرها كما أنه لم  يشرع لأحد السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها وإن ذلك  من الشرك الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  ولكن لغلبى الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم  بذلك حتى يبين ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه

4-  لا يصلح تكفير شعب مسلم بلأسره اعتمادا على وقوع أفراده في الموالاة  المحرمة لغير المسلمين لأن  الواقع  يكذب ذلك فهناك العديد من ابناء هذه الأمة يلتزمون بأحكام الموالاة دون تفريط فضلا عن أن كثيرا من صور الموالاة التي يقع فيها بعض المسلمين لا تدخل في عداد الموالاة الباطلة الموجبة للتكفير وإن أمكن اعتبارها في عداد الموالاة  الخاطئة الموجبة للتأثيم وهي من جنس الموالاة  الممنوعة التي وقع فيها الصحابي البدري حاطب بن أبي بلتعة حينما راسل   مشركي قريش  ليخبرهم بإستعداد مكة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لغزوهم  قبيل فتح مكة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن قال:  دعني أضرب عنقه يا رسول الله : دعه يا عمر إنه من أهل بدر ولعل الله اطلع على اهل بدر  فقال : اذهبوا فافعلوا ما شئتم فإني  قد غفرت لكم  وهكذا لا يصح ادعاء ردة الشعوب الإسلامية  بأسرها وهو ما يجعل هذا الإحتجاج  احتجاجا ساقطا وباطلا .

ب /  الاحتجاج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بتحريق نخل بني النضير وأن الفقهاء أخذوا من ذلك جواز إتلاف الأشجار والمزروعات وغيرها لضرورة الحرب والظفر فيها .

والإجابة على هذا الإستدلال من وجهين :

الوجه الأول : إن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق نخل بني النضير كان موجها لمال مملوك لغير السملمين في قتال قائم وحرب دائرة بينما تدمير البنية التحتية يتم اليوم موجها لمال مملوك لساكني  البلاد من المسلمين وهو ما يشكف فساد هذا القياس .

الوجه الثاني :

أن  الفقهاء عندما تكلموا في مدى جواز إتلاف مثل هذه المرافق  راعوا أمرين عند القول بإباحة هذا الفعل حتى لو كان التدمير موجها لمال مملوك لغير المسلمين قيام الحرب واشتعالها وهذان الأمران  هما :

الأول : ألا يتضرر المسلمون من مثل هذا الإتسلاف  أو التدمير

الثاني : مراعاة المعاملة بالمثل للعدو

وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن قدامة المقدسي   عند تحديد ما يحرم قطعه وإتلافه من هذه  الأشياء  " ما يتضرر المسلمون لكونهم ينتفعون ببقائه لعلوفتهم أو يستظلون به أو يأكلون من ثمره أو تكون العادة لم تجر بذلك  بيننا وبين عدونا فإذا فعلناه بهم فعلوه بنا فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين

وهكذا لا يصح تنزيل هذه الأدلة على الأوضاع  القائمة اليوم

وتذكر أخيراً أن رسول  الله صلى الله عليه سولم نهى عن قتل النحلة  وعلل ابن قدامة ذلك بقوله : لأنه فساد فيدخل في عموم قوله تعالى ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد  فيها ويهلك الحرث والنسل  والله لا يحب الفساد ) ( البقرة : 205)

ورحم الله أبا بكر الصديق عندما أوصى يزيد بم أبي سقيان حين بعثه أميرا فقال : ولا تخربن عامرا)

 

اضف تعليق