حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

دراسات وأبحاث

لا للتفجير (1)

2017-01-09

نظرا لتكرار الحوادث والتفجيرات التي تستهدف المنشئات والمرافق التي هي ملك للشعب مثل أبراج الكهرباء أو غيرها، أيا كان الفاعل فإن حزب البناء والتنمية يكرر نشر هذه الدراسة لتصحيح المفاهيم.

الدراسة:

 مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.

"يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". (آل عمران:102).

"يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" (النساء: 1).

"يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما". (الأحزاب:71).

وبعد..

فقد حذر الكثيرون ممن يحبون الوطن ويخافون عليه من مغبة ما تم في 3 يوليو من إهدار للإرادة الشعبية ونتائج الاستحقاقات الانتخابية التي تمت منذ تفجر ثورة 25 يناير 2011؛ لما يعنيه ذلك من إغلاق باب الأمل في التغيير السلمي عن طريق الاليات الديمقراطية, وما يؤدي إليه من تحول البعض إلى انتهاج وسائل غير سلمية للوصول الى تحقيق اهدافهم.

ومع تزايد قمع وقتل المتظاهرين السلميين وانتهاك حرمات النساء والفتيات بصورة تجاوزت كل الأعراف والأخلاق والدين والقوانين تزايدت قناعة البعض من معارضى الانقلاب بأن لا جدوى من السلمية وأنه لابد من القصاص لزملائهم وأقاربهم الذين استشهدوا ممن قتلهم سواء كان من الشرطة أو الجيش أو البلطجية.

 وبعد غياب طويل عاد صوت التفجيرات للظهور مرة أخرى في شوارع بعض محافظات مصر ولتبدأ رحلة البحث عمن يقف وراءها، وتوجهت أصابع الاتهام الى اكثر من اتجاه:

-           فالجهات الأمنية والإعلام التابع للانقلاب سارعوا إلى إلصاقها بجماعة"الإخوان المسلمين" دون تقديم دليل واحد, وعلى الرغم من نفي جماعة الاخوان هذا الاتهام تكرارًا ومرارًا.

-           وبعض معارضي الانقلاب يؤكدون أن المدبر الحقيقي لها هو الجهات الأمنية والاستخباراتية التي تسعى لالصاقها بمعارضيها لتحفيز الرأى العام ضدهم ولإشاعة مناخ من الخوف لتبرير الاجراءات الانقلابية لكن ايضا دون تقديم أى دليل, لكنهم يقولون:"إن هذا ليس بجديد على تلك الجهات فقد اعترف الرئيس جمال عبدالناصر لخالد محى الدين أحد الضباط الأحرار أنه في عام 1954م هو الذى دبر حدوث التفجيرات التي وقعت بالقاهرة في ذلك الوقت اثناء صراعه مع اللواء"محمدنجيب" و"الإخوان المسلمين" لتبرير عودة مجلس قيادة الثورة لتولى السلطة في مصر".

-           وهناك جماعة"أنصار بيت المقدس" أعلنت مسئوليتها عن القيام ببعض هذه التفجيرات، لتوفر الجهد على الجميع ولتشير أيضا إلى أن المناخ الحالي سينجم عنه نشوء المزيد من هذه الجماعات وتلك التفجيرات.

وفى ظل هذه الحالة كان لابد من وقوف الجميع في وجه سياسة قتل المتظاهرين وفى وجه هذه التفجيرات أيًا كان المسئول عنها, لأنه غالبًا ما ينجم عنها ازهاق أرواح معصومة وإلحاق الأذى والضرر بأبرياء قد لاتكون لهم أدنى علاقة بالصراع الدائر, فضلا عما ينجم عن ذلك من تدمير الممتلكات العامة أو الخاصة، ويزداد الأمر بشاعة وجرمًا إذا كان القتل أو التفجير تقف وراءه جهات تابعة للسلطات الحاكمة لما يعنيه ذلك من انهيار لدولة القانون والقضاء إذا كان ذلك بغرض تصفية أو إخافة المعارضين، ولما فيه من اتهام وافتراء باطل إذا كان بغرض الصاق ذلك التفجير بالخصوم.

 

قال الله تعالى:

(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) "النساء : 112"

وفي ظل استمرار قتل المتظاهرين السلميين وتعالي صوت الانفجارات -وايًا كانت الجهة الفاعلة- فإن السؤال الذى يجب الاهتمام بتقديم إجابة واضحة ومفصلة له هو:

ما الحكم الشرعي في قتل المتظاهرين السلميين وفي القيام بهذه التفجيرات؟ وماهي الأدلة التي يستند إليها القائلون بها؟ وما مدى صحتها؟

وهذا الكتيب يسعى للإجابة عن كل هذا.

ودافعنا في طرح هذه القضية أمورعدة:

أولها: هو تقديم النصح لكل مسلم ربما يتورط في قتل متظاهر أو يفكر في القيام بمثل هذه التفجيرات، وهذا واجب شرعي مقرر، يقول تعالى:"وتواصو بالحق" ويقول صلى الله عليه وسلم:"الدين النصيحة". رواه مسلم

ثانيها: النصح للدين من أن ينسب إليه ما ليس منه فتتشوه معالمه وأحكامه ويهاجمه خصومه بما ليس فيه.

ثالثها: أن الحفاظ على السلمية في المعارضة للاجراءات الانقلابية التي تمت في 3 يوليو تقتضى بيان خطأ مثل هذه الأعمال وهو ما يصب في صالح تحقيق أهداف وآمال الثورة والوطن والمواطنين.

رابعها: إن إراقة الدماء المعصومة بغير وجه حق سواء كان ذلك من السلطة أو ممن يعارضها أمر عظيم يجب بذل كل الجهود في سبيل منع الاعتداء عليها بغير وجه حق.

لهذه الدوافع وغيرها نجد أنفسنا لا نوافق على ما رفضه بعض الأحبة من طرح ما يتعلق بقضايا التكفير والتفجير في هذا التوقيت استنادًا الى أن سلطات الانقلاب تسوم معارضيها كل سبل العذاب والنكال والإعلام الموالي له يصفهم بالكفر والإرهاب.

 فلا ينبغي والحال كذلك إطلاق"حملة لا لقتل المتظاهرين لا للتكفير والتفجير" والتي تجعل الضحية متهمة وتغض الطرف عن جرائم الجلاد، وسبب اختلافنا مع هؤلاء الأحبة هو:

أولا: إن هذه الحملة غير موجهة إلى المتظاهريين السلميين لأنهم بعيدون كل البعد عن القول بالتكفيرأو القيام بالتفجير ولكنها موجهة الى من يقع في التكفيرأو الإرجاء أو التفجير أو قتل المتظاهرين سواء كان من أنصار الانقلابين أو معارضيهم.

ثانيا: فإننا نرى أن بيان وجه الحق في هذه المسائل واجب شرعي يجب القيام به تمامًا مثل واجب معارضة الانقلاب سلميًا وإدانة ما يصدر عنه من جرائم وسياسات خاطئة ولا ينبغي أن يشغلنا القيام بواجب عن القيام بواجب آخر فضًلا عن أنه لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ولاشك أن مصر وأهلها يحتاجون لهذا البيان اليوم قبل غدا، كما أن مقتضيات العدل تقتضي أن لا يحملنا الغضب أو البغض لطرف معين أن نتجاهل ونغض الطرف عن أخطاء يجب تصحيحها لمجرد أنها تلحق به ضررا قال الله تعالى:"ولا يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى".

لكل هذه الأسباب فإننا نقدم هذا الكتيب لكل من يعمل للإسلام على بصيرة ويسعى لانتصار الثورة, وجعل كلمة الله هي العليا, ويرجو رضا الرحمن والدرجات العليا في الجنات.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم

عصام دربالة

 

تمهيد

ونحن حين نتحدث عن مدى جواز استخدام تلك التفجيرات العشوائية لا نقصد تلك التي تتم أثناء الحروب, أو تقع بين الجيوش المتصارعة, فهذه لا يختلف اثنان على جوازها بالضوابط التي قررها العلماء, لكننا نتحدث عن تلك التفجيرات التي تتم ببلاد المسلمين اليوم لاستهداف بعض الأشخاص بالقتل, والذين يختلطون بعدد كبير من المسلمين, أو بمن لا يحل قتلهم من غير المسلمين: كالذميين أو المستأمنين أو الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان, والتي ينجم عنها غالباَ مقتل عدد كبير من هؤلاء مع احتمال عدم اصابة أحد من المستهدفين أصلاً بهذه التفجيرات.

وتأخذ التفجيرات العشوائية صورًا عدة, فتارة تتم على صورة عربة ملغومة يتم تفجيرها عن بعد, وتارة تأخذ صورة قنبلة موقوتة مزروعة في مكان مستتر الى غير ذلك من الأشكال والتي يجمعها أنها لا تقتصر على إصابة الشخص المستهدف ومن ثم فهي عشوائية في إصابة الضحايا التي تقع من جرائها.

 

 

حكم القيام بالتفجيرات العشوائية

ويستهدف القائمون بهذه التفجيرات العشوائية تحقيق بعض أو كل الأهداف الآتية:

1- قتل بعض الأشخاص ممن يرغبون في الإجهاز عليهم حتى لو أدى ذلك لقتل غيرهم ممن يتواجدون بالمكان.

2- قتل أكبر عدد من المتواجدين بموقع التفجير بغض النظر عن كونهم يستحقون القتل أم لا, وذلك لإحداث حالة من الذعر والهلع.

3- تدمير بعض الممتلكات أو المباني حتى لو أدى الى قتل من يتواجد بها من الأشخاص غير المعروفين للقائمين بالتفجير.

4- تأليب الرأي العام على أطراف معارضة للنظام بنسبة هذه التفجيرات اليها رغم أنها من تدبير تلك السلطات.

وهذا كله يعني أننا بصدد تفجيرات قد توقع ضحايا غير مستهدفين أصًلا بالقتل ممن يقومون بتلك التفجيرات, وقد يكون هؤلاء الضحايا من المسلمين أو من أهل الكتاب أو من السياح أو الأجانب الذين يدخلون البلاد بأمان معتبر شرعا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما حكم القيام بهذه التفجيرات؟ وما الأدلة الشرعية على حرمة القيام بها؟ وما الأدلة التي يحتج بها من يرى جوازها؟

وللإجابة عن هذه الاسئلة سنذكر أولًا الأدلة الشرعية التي تبين عدم جواز القيام بهذه التفجيرات العشوائية ثم نذكر بعد ذلك أدلة المؤيدين لها ونناقشها بشكل تفصيلي من خلال الفصلين القادمين.

أولا:

الأدلة الشرعية على حرمة القيام بتلك التفجيرات

 يستهدف القائمون بالتفجيرات العشوائية قتل بعض الشخصيات ممن يعتقدون جواز قتلهم, وفي سبيل تحقيق هذا الأمر يغضون الطرف عما ينجم عنها من قتل لأفراد آخرين غير مستهدفين أو تدمير لممتلكات لا يجوز تدميرها.

ولا شك عندنا في حرمة تلك التفجيرات العشوائية حتى لو استهدفت من يجوز شرعًا قتله؛ لأن هذا لا يبيح بحال قتل الأنفس المعصومة شرعا ممن يتواجدون في لحظة الانفجار سواء كانوا من المسلمين أو غيرهم للآتي:

1- إن من بين ضحايا هذه التفجيرات عددا من عوام المسلمين الذين لم يرتكبوا جناية تبيح قتلهم, والقيام بهذه التفجيرات مع العلم القطعي بوقوع ضحايا من هؤلاء يفيد تعمد قتلهم وهو محرم شرعا لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)

ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا اله الا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس, والثيب الزاني, والمارق من الدين التارك للجماعة".(رواه البخاري)

والسؤال الذي يتوجه إلى من يقوم بتلك التفجيرات العشوائية هو: بأي حق استبحت قتل عوام المسلمين الذين يتواجدون في الموقع المستهدف بتلك التفجيرات؟ وبأي دليل شرعي أجزت ذلك؟

2- إنه لا يجوز استهداف أهل الذمة الموجودين بموقع الانفجار بالقتل وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم:"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما.(رواه البخاري)

3- لا يجوز استهداف المستأمنين من الأجانب لدخولهم البلاد بأمان معتبر شرعًا أو لوجود شبهة أمان تمنع من استهدافهم بالقتل بواسطة تلك التفجيرات وذلك لقوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ)

ولقوله صلى الله عليه وسلم:"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم, فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل".(رواه البخاري)

4- إنه لايجوز قصد الأطفال والنساء المدنيين من غير المسلمين بالقتل طالما لم ينتصبوا لقتال المسلمين ذلك لما رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان لما رأى امرأة مقتولة في إحدى الغزوات.

ولما رواه أنس رضي الله تعالى عنه من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا بعث جيشا قال: "انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة, ولا تغلوا وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين". (رواه أبوداوود)

فإذا كانت هذه الأدلة حرمت قتل هؤلاء أثناء اشتعال الحرب مع أقوامهم فكيف يصح القول بإباحة استهدافهم بتلك التفجيرات العشوائية وليس هناك حالة حرب قائمة معهم؟

5-  إنه يترتب على هذه التفجيرات العشوائية تدمير بعض الممتلكات لأناس لم يرتكبوا جناية تبيح تدميرها, وهو أمر منعت منه الشريعة الإسلامية لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم في شهركم هذا في بلدكم هذا". (صحيح ابن حبان)

6- فإذا أضيف إلى كل ما سبق وقوع هذه التفجيرات بتدبير من السلطات المسئولة لإلصاقها بطرف آخر لم يقم بها فإن الإثم والحرمة تتضاعف لما في ذلك من أمور محرمة منها:

 أ. الافتراء على الغير والكذب على عموم الناس وتحميل الأبرياء مسئولية جرائم لم يقترفوها قال الله تعالى:

 (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)

ب. محاولة خداع الشعب لبث الكراهية لطائفة بريئة من هذه التفجيرات فيه ظلم وعدوان على هؤلاء وتضليل لأفراد الشعب بما قد يدفع بعضهم إلى القيام بجرائم ضد هؤلاء الأبرياء وهو مالا يجوز شرعًا أو أخلاقًا.

ج. عندما تأتي هذه التفجيرات من جهة من يكونون في موضع المسئولية عن الحفاظ على أمن الناس يعد هذا من خيانة الأمانة التي تستوجب العزل والعقاب.

واذا كانت هذه هي الأدلة التي تبين حرمة القيام بهذه التفجيرات أيًا كان فاعلها ومدبرها, فبماذا يحتج القائمون بها

والمؤيدون لها؟                                                                                                                          

هذا ما سنوضحه في الفصل الثاني إن شاء الله.

 

د. عصام دربالة

روابط متعلقة

اضف تعليق