حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

دراسات وأبحاث

لا للتفجير (3)

2017-01-09

ترجيح وتوضيح:

والذي تميل إليه النفس وترجحه هو المنع من قتل المسلم المتترس به طالما لا توجد مصلحة ضرورية وقطعية وكلية على حد تعبير الإمام الغزالي.

والسؤال الذي يطرح نفسه على أصحاب التفجيرات العشوائية:

أين هذه المصلحة الكلية الضرورية القطعية التي ستضيع لو لم يتم القيام بهذه التفجيرات التي تؤدي إلى قتل عدد من المسلمين أكبر من عدد المستهدفين بتلك التفجيرت حقيقة؟ بل أين الحاجة الماسة لذلك والتي لا تتحصل إلا بهذا الطريق؟

هـ - الضابط الخامس: لإباحة رمي الترس المسلم هو أنه عند الرمي لا يقصد بذلك المسلم المتترس به.

إذا كان المسلم متترسًا به عن غير رضا منه، وكانت حالة الحرب قائمة، ولا توجد وسيلة أخرى غير التفجيرات أو الرمي بالمهلك العام، وتوجد مصلحة ضرورية قطعية كلية تقتضي القيام بهذه التفجيرات فلابد أن يقصد من يستعملها قتل الكافر دون المسلم، وهنا يتصور وجود حالتين هما:

الحالة الأولى: أن يتمكن المفجر أو الرامي من رؤية المسلم وتمييزه عن غيره من الكفار فيجب عليه أن يتوقاه قدر إمكانه ولا يرمي صوبه ويقصد المشركين بفعله.

وفي هذا يقول الإمام الرملي الشافعي: "فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم تركناهم (.....) وإلا جاز رميهم في المسلمين بحسب الإمكان".ا.هـ.

ويقول الإمام السرخسي الحنفي: "وكذلك إذا تترسوا بأطفال المسلمين أو منهم وفي الوجوه كلها ينبغي لهم أن يقصدوا بفعلهم المشركين من المقاتلين دون غيرهم؛ لأنهم لو قدروا على التحرز عن إصابة الأطفال فعلا كان عليهم التحرز عن ذلك فإن عجزوا عن ذلك وقدروا على التحرز قصدًا كان عليهم ذلك عمًلا بقوله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن:16).

الحالة الثانية: ألا يستطيع الرامي أن يرى المسلم المتترس فهنا يجوز إذا توفرت باقي الشروط أن يرمي الترس ويقصد المشركين بالرمي.

والسؤال الذي يتوجه إلى أصحاب التفجيرات العشوائية: هل يصح وضع التفجيرات في أماكن يرتادها أعداد من المسلمين تبلغ أضعافا مضاعفة من مرتاديها من غيرهم؟ وأين التوقي المأمور به في هذه الحالة؟

وهكذا يظهر من الاستعراض السابق:

* أنه لا ترس و لا متترس به موجود في حالة التفجيرات العشوائية.

* و لا حالة حرب قائمة يدركها المسلمون بموقع الانفجار

* و لا مصلحة ضرورية أو حاجة ماسة تقتضي إتمام هذه التفجيرات في تجمعات يكثر فيها تواجد المسلمين.

* كما أن هذه التفجيرات تتم مع معرفة القائمين بها بوجود مسلمين ورؤيتهم لهم بموقع التفجير مع القدرة على توقيهم أو تأجيل التفجير لحين انصرافهم.

وكل هذا يبين الخطأ الكبير الذي يقع فيه من يستدل بأحكام التترس على القول بجواز استخدام هذه التفجيرات العشوائية في بلادنا الإسلامية.

ويبقى للقوم أمران أو قل شبهتان يتشبثون بهما للقول بجواز تلك التفجيرات التي توقع عددا من المسلمين من بين ضحاياها ونستعرض هذين الأمرين على عجالة:

الأمر الأول: يحتج مؤيدو التفجيرات العشوائية بأن العلماء أجازوا استهداف من حضر من المسلمين مع جيش الكفار عند اشتعال الحرب، وضحايا هذه التفجيرات يأخذون حكم هؤلاء في جواز استهدافهم.

والجواب عن هذا يتلخص في أن ضحايا هذه التفجيرات من المسلمين لا يرون جيشًا للكفار موجودًا بموقع الانفجار كي يبتعدوا عنه، فكيف يصح تنزيل هذا الحكم عليهم، وأين هذا الجيش وأين هذه الحرب المشتعلة؟

أما الأمر الثاني: الذي يحتج به مؤيدو هذه التفجيرات فهو أن هؤلاء الضحايا من المسلمين يبعثون على نياتهم وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فقلنا: يارسول الله إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم" ا.هـ.

ويقولون: إنه كما قتل في الخسف بهذا الجيش المتجه للكعبة من ليس منه وقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يبعث على نيته، فكذلك الحكم على من يقتل في تلك التفجيرات والرد على هذا الاستدلال الخاطئ يتلخص في الآتي:

1- إن هذا يتعلق بفعل من أفعال الله القدير العليم الحكيم وهو الخسف بهذا الجيش، فلا يصح قياس عليه ما يجوز وما لا يجوز من أفعال العباد.

2- إن هذا الحديث يبين شمول عقوبة الخسف لأُناس ليس لهم ذنب سوى التواجد بجوار هذا الجيش الغازي للكعبة وهذا الغزو أمر عظيم وجرم شنيع لا يصح التهاون معه وتغتفر من أجل حماية الكعبة، ومن يعوذ بها مفسدة مقتل من لا علاقة له بهذا الجيش، والسؤال هنا لمؤيدي هذه التفجيرات: أين مثل هذه الحالة في تفجيراتكم؟ هل أنت بصدد رد جيش يغزو الكعبة أو أي دولة مسلمة للاستيلاء عليها؟ وهل وجود بعض المستهدفين في وسط جمع غفير من المسلمين في مجمع سكني أو حديقة فندق تماثل حالة غزو جيش للكعبة أو دهم مستعمر لأراضي دولة مسلمة؟.

فهؤلاء وجدوا في موضع يمر به جيش يريد غزو الكعبة أما في حالة التفجيرات العشوائية فإن ضحاياها وجدوا بموقع بعيد عن أي جيش أو في أماكن ليس فيها أدنى مظنة لقيام حرب.

لا شك في وجود اختلاف واضح بين ما يذكره هذا الحديث وما تقومون به من تفجيرات، وهذا الاختلاف يبين حقيقة الخطأ الذي يقع فيه مؤيدو التفجيرات العشوائية بالبلاد الإسلامية والذي يكمن في التنزيل الخاطئ للأحكام الشرعية على الواقع المعاش.

 

خاتمة:

ويبقى القول: إن هذه التفجيرات تسبب أضرارًا عديدة سواء من جراء قتل الأبرياء من المسلمين أو غيرهم، أو إثارة السخط الشعبي العام على من يقوم بها، أو استغلال خصوم الفكرة الإسلامية لها لتشويه الإسلام ذاته، والتحريض على أتباعه، فلا مصلحة حقيقية ترجى ولا ضرر ماحق سوف تدفعه، ولا حرب قائمة يتوقف الظفر فيها على القيام بها، و لا يوجد ترس و لا متترس به، فكيف بعد ذلك كله يقاس هذا على ذاك.

وكل هذا يبين خطأ القول بجواز التفجيرات العشوائية ببلداننا الإسلامية إستنادًا على القول بجواز التبيت أو الرمي بالمنجنيق أو رمي المسلم المتترس به.

و نذكر أخيرًا بقول الإمام القرطبى: "ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف" أ. هـ.

فلا يصح أن يتذرع البعض بأنهم يعتمدون في تلك التفجيرات على قول عالم لم يدققوا في كلامه، أو أخطأوا في تنزيله لأن استباحة دم المسلم لا تتم إلا عند اليقين بالجواز و في ظل اختلاف هذا العالم أو ذاك مع جمهور علماء الأمة فلا يجوز الإقدام على ذلك بحال من الأحوال.

وأغلى ما تدمره هذه التفجيرات اليوم أمور عديدة ينبغي الالتفات إليها:

1. أرواح البشر التي أزهقت بغير حق والتي سيمسك أصحابها بتلابيب من قام بذلك يوم القيامة ويقولون: "سل هذا يا رب فيمَ قتلني".

2. القضاء على مبدأ السلمية في مواجهة الانقلاب وفي السعي لانتصار الثورة, وصدق من قال: إن اللجوء للعنف هو مقبرة الثورة والثوار, كما أن القمع مقبرة الاستبداد.

3. تدمير أواصر المحبة والمودة بين أبناء الوطن الواحد وزرع الأحقاد والرغبة في الانتقام في النفوس وهذا ربما يمتد إلى أجيال قادمة؛ فكل من أراد رضا الرحمن وانتصار الثورة والحفاظ على الأوطان فليهتف معنا:

لا للتفجير ... سلمية ... سلمية

 

روابط متعلقة

اضف تعليق