حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

ساحة الأدب

من شوارد الذكريات .. بأية حال عدت يا عيد!!!

2017-01-09

كانت حملة تأديبية علي السجن لا أذكر سببها – وما أكثر الحملات غير المسببة في تلك الأيام – وتصاعدت صيحات القوات الخاصة – يسمونها القوة الضاربة – مع صوت قرع البيادات علي أرضية طرقات السجن الأسفلتية.

وانكمش الأخوة داخل الزنازين يترقبون – الطريحة – المنتظرة وسرعان ما انفتح باب الزنزانة بعنف ووقف الأخوة جميعاً ووجوههم إلي الحائط وأيديهم إلي أعلي وهم يجرون في أماكنهم بخطوات سريعة – يسمونه الجري في المحل – وانهال الجنود عليهم ضرباً بينما تصاعدت صرخاتهم من شدة الضرب.

انتهي الضرب سريعاً وخرج الجنود ليدخلوا زنزانة أخري بينما أغلق العميد – قائد الحملة – الباب خلفهم وطفق ينظر من ثقب الباب لينظر أثر ما حدث.

نظر الأخوة إلي بعضهم البعض ولما اطمأنوا إلي انصراف الجنود صاح أحدهم ضاحكاً " آخر مرة جماعة قف " فانفجر الجميع في الضحك هنا فتح قائد الحملة الباب ثائراً وقال ..

لسه بتضحكوا يا ولاد .....نعمل فيكوا إيه تاني ..."

نعم كنا نضحك رغم ما كان يحدث فقد كنا ندرك أن الله ابتلانا ليبلونا فمن رضي فله الرضي ومن سخط فعليه السخط وقدر الله نافذ رضينا أم سخطنا .. وقد كان – والحمد لله – أكثرنا راضياً عن الله وعن قضائه.

أسوق هذه المقدمة لكي يتوقع القارئ كيف كنا نقضي العيد في هذا الضيق .. لقد كنا في العيد نفرح سواء في ضيق السجن وشدته أم في راحته وسعته.

كنا نعد ليوم العيد قبله بأيام لنستمتع به أقصي استمتاع إذ كنا نري أننا – أهل الدين – أحق الناس بالفرح في هذا العيد فالعيد إنما شرعه الله للمؤمنين لا لغيرهم ليفرحوا بما وفقهم الله له في الشهر الفضيل.

نعم .. أمرنا بالصيام فصمنا .. وأمرنا بقيام الليل فقمنا .. وأمرنا بالطاعة فأطعنا طوال الشهر – نسأل الله أن يتقبل منا – وجاء وقت الجائزة فطبيعي أن نفرح عند الفطر كما يقول الحديث .

وقد كان لنا وعلي مدار سجننا الطويل في كل عيد احتفاء واحتفال أحمل له أجمل الذكريات وأعذبها ولكن حفل اليوم موضع الحديث كان في سجن الفيوم سنة 1996.. حيث قمنا فصلينا فجر يوم العيد وارتفعت الأصوات في العنبر كله بتكبير العيد.

وما ان انتهينا من صلاة العيد حتي تصاعدت ضحكات الأخوة وضجيجهم في فرح ومرح وجلبة الألعاب والطرف التي أعددنا لها منذ أيام.

ولما كانت هذه الأيام أيام تضييق فإن مثل هذا الإحتفال يكون من الممنوعات حتي وإن كان داخل الزنازين المغلقة وحاول شاويش العنبر أن يمر علي الزنازين ليوقف هذا الصخب بالشتم تارة وبالتهديد تارة من خلال ثقب الباب المغلق ولكن صوته ضاع وسط هذا الصخب .. فانطلق يجري إلي ضابط السجن يشكو إليه حتي لا يتهم بالتغاضي عن شيء ممنوع عنده وإن كانت الضجة قد وصلت إليه قبل وصول الجاويش.

كان الضابط النوبتجي – ضابط عظيم – في ذلك اليوم هو الضابط المسئول عن عنبرنا .. وكان رجلا طويل القامة عريض المنكبين متجهم الوجه – خلقة ربنا – عميق الصوت حتي أن الأخوة كان يسمونه هولاكو ورغم ما هو ظاهر من وصفه إلا أنه كان طيب القلب لا يحب الإيذاء لأحد فكان ينفذ ماكان يصله من أوامر في ذلك الوقت بأقل حد من التضييق ممكن ويحاول التخفيف والمساعدة – من تحت لتحت – ودون أن يشعر به أحد.

ولكن وأمام هذا الموقف لم يجد بدا من استدعاء القوة الضاربة وينطلق بها نحو العنبر في صخب مقصود من كعوب تدق وصيحات تطلق وسير بين الزنازين.

هنا سكت الجميع وقد تهيأوا لحملة تأديبية تفسد عليهم العيد وفرحته التي أعدوا لها منذ أيام.

ظل الجنود في ضجيجهم حتي إذا سكت الناس جميعاً أمر الضابط الجنود بالتجمع وبعد صفا وانتباه ومعها صيحة الجنود المشهورة أمرهم بالانصراف دون إيذاء ثم قال بصوت خافت احتفلوا بالعيد ولكن دون صوت.

وهكذا أكملنا حفلنا ولكن بدون صوت وكانت فرحة العيد لا ينقصها إلا ما يصاحب الفرح من صخب.

ثم .. وها أنذا وبعد سنوات أسير في الطريق وقد من الله علي با لحرية واستعيد ذكري هذه الأيام وأنا أتطلع في وجوه الناس مفتقداً تلك الفرحة التي كنت أراها في عيون الأخوة في السجن بصدقها وتعبيرها عن سعادة حقيقيةأبحث في وجوه الناس عن العيد الذي كنا نحتفي به ونحتفل به هناك ونفرح به ويفرح بنا فلااجدها الانادرا واعود لادندن بأبيات المتنبي التي كنت دائماً أتذكرها في كل عيد

عيد بأية حال عدت يا عيد *** بما مضي أم بأمر فيك تجديد

أما الأحبة فالاسوار دونهم *** فليت دونك بيد دونها بيد

اضف تعليق