حزب البناء والتنمية
الموقع الرسمي

الشباب

التعليم وأنماط التفكير

2017-01-09

لو كان الغرض من التعليم هو مجرد الحصول على شهادة ومن ثم وظيفة كما اعتدنا هذا الفهم  منذ عقودٍ ( حتى قيل تهكماً بلد شهادات ) لكان مصير المعارف مرتهناً بملاءمتها للعصر وتفاعلها مع الواقع  ومشاهدتها في عالمنا ! فماهي القيمة العملية للعلوم ودراستها لو كانت المسألة مسألة شهادات ووظائف ؟وما هو الدور الحقيقي للعلم إذا كان الهم هم الشهادة !!                                                     

          حينما نتحدث عن العلم وطلبه في الإسلام لابد أن نجرد التعلم بأغراضه النقية وقدرته على السمو بالعقل عن ملابساته في عصرنا فالعلم وحده الذي حسم الفضل لآدم عليه السلام أمام الملائكة وهو المغزى بالأمر القرآني :" اقرأ"وحين نفاخر بقدر العلوم في الإسلام فإننا  تنذكر العظماء من سلفنا الصالح أمثال البخاري ومسلم ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ونحكي أخبارهم كما تحكى الأساطير وكلما تشوقنا لأمجادهم ورغبنا أن نكون مثلهم صدمنا الواقع الأليم وكبلتنا القيود ، وقد بدا لي أن ادمج روائع السلف بروائعنا ( كما قال الشاعر: وبضــدها تتميز الأشياء) حتى نستبين أحوالنا العلمية ونتوقف أمام أنفسنا لنسأل ماهو طلب العلم ولماذا نطلبه :

رحل الإمام البخاري في طلب العلم إلى الشام و مصر و الجزيرة و العراق .. وأقام في الحجاز ستة أعوام يأخذ الحديث عن أربابه .. وتلقى عنه الناس الحديث ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره ..و سمع من نحو ألف شيخ وأخذ الحديث عنهم .. لا يسمع بشيخ في الحديث إلا رحل إليه وسأل عنه وأخذ عنه علمه و كان رحمه الله تعالى شديد الورع و التقوى .. قليل الأكل لا ينام من الليل إلا أقله و كان مجدا في تحصيل العلم وتأليف الكتب فيه .. يقوم من الليل ثماني عشرة مرة أو أكثر يسرج المصباح ويتذكر الأحاديث فيكتبها و يدقق البعض الآخر فيعلم عليها وقد روت الآثار عنه رواية غريبة فقالوا أن علماء بغداد أرادوا اختبار حفظه و ذكائه و إتقانه , فجاء أصحاب الحديث بمائة حديث فقلبوا متونها و أسانيدها .. ودفعوها إلى عشرة رجال .. إلى كل رجل عشرة أحاديث .. وأمروهم إذا حضروا الإجتماع يلقون هذه الأحاديث المقلوبة على البخاري فلما اجتمعوا كلهم مع حشد من الناس انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث فقال لا أعرفه , فما زال يلقي عليه حديثا بعد آخر حتى فرغ من عشرته .. وهكذا حتى فرغوا من الأحاديث المائة المقلوبة .. والبخاري لا يزيدهم على (( لا أعرفه )) .. فاستغرب الناس كيف لا يعرف الأحاديث كلها .. فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال : أما حديثك الأول فهو كذا .. وحديثك الثاني فهو كذا و هكذا إلى آخر الأحاديث المائة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه .. فأقر له الناس بالحفظ و أذعنوا له بالفضل ، يقول الحافظ بن حجر رحمه الله عن هذه الحادثة : ليس العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا .. بل العجب من حفظه الخطأ على ترتيب ماألقوه عليه من مرة واحدة .

 نفس الذكاء كان في الإمام ابن تيمية رحمه الله وقد جاء عنه في (العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية): انبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه. واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له: أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصداً، لعلي أراه، فقال له خياط: هذه طريق كتّابه، وهو إلى الآن ما جاء. فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهباً إلى الكتّاب ، فجلس الشيخ الحلبي قليلاً، فمر صبيان، فقال الخياط: هذاك الصبي الذي معه اللوح الكبير: هو أحمد بن تيمية. فناداه الشيخ. فجاء إليه. فتناول الشيخ اللوح منه، فنظر فيه ثم قال له: امسح يا ولدي هذا، حتى أملي عليك شيئاً تكتبه، ففعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثاً، وقال له: اقرأ هذا، فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه. ثم دفعه إليه، وقال: اسمعه عليّ، فقرأه عليه عرضا كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي، امسح هذا، ففعل. فأملى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة. ثم أسمعه إياه كالأول. فقام الشيخ وهو يقول: إن عاش الصبي ليكونن له شأن عظيم. فإن هذا لم يُرَ مثله، أليست هذه آلات تصوير ! وللإمام الشافعي ما يثبت أنهم كانوا جميعاً بهذه القدرة على " التصوير"

أقول تعالوا بنا نتخيل أمثال هؤلاء التلاميذ النجباء في مدارسنا أو لنقل :تعالوا نبحث في مدارسنا عن أمثالهم ..لو كان هؤلاء بين مدارسنا لأثقلناهم بحفظ الكتب ولنهرناهم إذا حاولوا المناقشة أو السؤال وهم رغم كفاءتهم في الحفظ أهل اجتهاد وفقه والفقه قائم على استيعاب الواقع ومضاهاته بالقواعد الفقهية حتى لا يعتقد البعض أن الحفظ الذي ننتقده ينافي المستوى الذي نأمله فالحفظ ملكة رائعة يتباهى بها الحفاظ في كل مكان ولعلنا نتذكر الطفل الذي كان يحفظ اللفظة من المصحف في موضعها حتى يحدد ما يقابلها في الصفحة الأخرى فليس العيب في الحفظ المجرد بل الحشو الذي لا ينتفع به ، إن التفكير العقلاني يقودنا إلى التساؤل عن صلة التعلم بالوظيفة  : هل هو مشروع محمد علي باشا وحرصه على نشر العلم بحثاً عن الكوادر التي تتحمل أعباء الدولة الجديدة ، أم أن جذورها أبعد من ذلك ؟إذا كان الغرض من التعليم أنه لبنات التحضر وأسس الرقي فإن البناء الحقيقي للدولة يكمن في المستوى الفعلي لعلم ابنائها إذاً فالمفترض في الدولة أن تحرص على تطوير التعليم ومسايرة التقدم العلمي واتخاذ أسلوب البحث والاستقراء والمناقشة وأن تعمل على منع الغش لتنقية المواهب وإبراز الكفاءات الحقيقية في طلابها وعدم إسقاط الفوارق بين مستوياتهم بالغش المقيت وإن كان للعلم قيمته الكاملة والمستقلة كأساس للفضل فهو أجدر بتنقيته من كل نقيصة ّإذا كان الغرض منه بناء نهضة الدولة ، ولك أن تتخيل لو أن الإمام البخاري في حكايته تلك التي رويناها مع علماء بغداد كان يخبئ جهاز تسجيل في ثيابه ، ثم اكتشف أهل بغداد ذلك ! أو كان الإمام ابن تيمية قد استعد سلفاً للقاء ذلك الشيخ ودون تلك الأحاديث في وريقة داخل ثيابه هل كان التاريخ سيتحمل عبء الاحتفاظ بذكراهم ؟!

اضف تعليق

استطلاع رأي

ما توقعاتك بشأن الانتخابات الحالية للحزب؟
نتيجة التصويت

توقيت الصلاة

فيديوهات

المزيد

دورات تدريبية

المزيد

الصور

المزيد

شاركنا رأيك